تشهد مصر خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في فلسفة التخطيط العمراني، حيث لم يعد التوسع في إنشاء المدن الجديدة يقتصر على زيادة المساحة العمرانية أو استيعاب الزيادة السكانية فقط، وإنما امتد ليشمل تبني مفاهيم حديثة في الإدارة والتشغيل، في مقدمتها مفهوم المدن الذكية. هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية ربط التنمية العمرانية بالتكنولوجيا الحديثة، بما يحقق كفاءة أعلى في استخدام الموارد ويحسن مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتقوم المدن الذكية على فكرة أساسية مفادها أن المدينة لم تعد مجرد مبانٍ وطرق، بل منظومة متكاملة تعتمد على البيانات والتقنيات الرقمية في إدارة شؤونها اليومية. ويشمل ذلك إدارة المرافق العامة، وتنظيم حركة النقل، وترشيد استهلاك الطاقة والمياه، وتقديم الخدمات الحكومية بصورة أكثر سرعة ودقة. ويُنظر إلى هذا النموذج باعتباره أحد الحلول العملية للتعامل مع التحديات التي تواجه المدن التقليدية، خاصة ما يتعلق بالازدحام، وارتفاع معدلات الاستهلاك، وضعف كفاءة بعض المرافق.
وفي السياق المصري، تكتسب المدن الذكية أهمية خاصة، في ظل ما تعانيه المدن الكبرى من ضغط سكاني متزايد واختلالات عمرانية ممتدة عبر عقود. وقد أتاح الاتجاه نحو إنشاء مدن جديدة تعتمد على نظم ذكية فرصة لإعادة التفكير في شكل المدينة ووظيفتها، بما يحقق توازنًا بين متطلبات النمو الاقتصادي وجودة الحياة. فالتخطيط المسبق، واستخدام الأنظمة الرقمية، يسهمان في تقليل المشكلات التي اعتادت المدن القديمة مواجهتها، بدلًا من التعامل معها بعد تفاقمها.
ومن الناحية الاقتصادية، تمثل المدن الذكية بيئة جاذبة للاستثمار، خاصة في القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا والابتكار والخدمات الحديثة. فوجود بنية تحتية رقمية قوية، وإجراءات إدارية أكثر تنظيمًا، يحد من البيروقراطية ويشجع القطاع الخاص على الدخول في شراكات تنموية طويلة الأجل. كما تفتح هذه المدن المجال أمام أنماط جديدة من فرص العمل، تعتمد على المهارات الرقمية والإدارية، بما يواكب متطلبات سوق العمل الحديث.
أما اجتماعيًا، فإن المدن الذكية تسهم في تحسين مستوى المعيشة من خلال رفع كفاءة الخدمات الأساسية، وتقليل الوقت والجهد المبذول في الحصول عليها. كما تتيح الأنظمة الذكية للإدارة المحلية فهم احتياجات السكان بشكل أدق، والتفاعل معها بصورة أسرع، وهو ما ينعكس على شعور المواطنين بالرضا والانتماء. ويُضاف إلى ذلك دور هذه المدن في تحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الخدمات، بعيدًا عن التفاوت التقليدي بين المناطق.
وعلى الصعيد البيئي، تتقاطع المدن الذكية بشكل مباشر مع أهداف التنمية المستدامة، حيث تعتمد على حلول تقلل من استهلاك الطاقة، وتشجع استخدام المصادر المتجددة، وتحد من الانبعاثات الضارة. كما تسهم أنظمة النقل الذكي وإدارة المخلفات في تقليل الأثر البيئي للأنشطة الحضرية، بما يحافظ على الموارد الطبيعية ويضمن استدامتها.
ورغم ما تحمله المدن الذكية من فرص واعدة، فإن نجاحها يظل مرتبطًا بوجود إدارة فعالة وإطار تشريعي منظم، قادر على مواكبة التطور التكنولوجي وضمان الاستخدام الآمن والعادل له. فالتكنولوجيا ليست غاية في حد ذاتها، وإنما أداة تحتاج إلى حوكمة رشيدة وتشريعات واضحة حتى تؤدي دورها الحقيقي في دعم التنمية.
وفي المحصلة، تمثل المدن الذكية خطوة مهمة في مسار التطوير العمراني في مصر، ليس فقط باعتبارها نمطًا حديثًا للبناء، وإنما كوسيلة لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والمدينة، على نحو يحقق تنمية أكثر توازنًا واستدامة، ويستجيب لمتطلبات الحاضر دون الإخلال بحقوق المستقبل