د. رامي جلال يكتب | عن “السيطرة الصامتة”

0

عن “السيطرة الصامتة”
د. رامي جلال

سعدتُ خلال فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 بمناقشة كتاب “السيطرة الصامتة” مع كاتبه د.نور الشيخ، في جلسة فتحت بابًا مهمًا للتفكير في سؤال جوهري: كيف يتكوّن وعينا اليوم، ومن يشارك فعليًا في صناعته؟
ينطلق الكتاب من فرضية أساسية شديدة الأهمية وهي أن أخطر أشكال السيطرة في عالمنا المعاصر ليست تلك التي تُمارَس بالقوة المباشرة، بل التي تتسلل إلى وعينا بهدوء، عبر الكلمة، والصورة، والتكرار، وصناعة المعنى، حتى نصل إلى لحظة نتصور فيها أننا نختار بحرية، بينما نحن في الحقيقة نتحرك داخل مسارات جرى تصميمها مسبقًا.
ما يميّز “السيطرة الصامتة” أنه لا يتعامل مع الشائعة أو التضليل أو التوجيه النفسي كظواهر منفصلة، بل يضعها داخل منظومة واحدة متكاملة: منظومة تشكيل الوعي. من الكلمة الأولى التي تُقال، مرورًا بالإعلام، والسوشيال ميديا، والألعاب الإلكترونية، وصولًا إلى الإعلانات وصناعة الخوف والأمل، يرسم الكتاب خريطة دقيقة لكيفية إعادة تشكيل الإدراك الجمعي، وتحويل الجماهير من فاعلين إلى متلقين، ومن أصحاب إرادة إلى موضوعات للتوجيه.
تكشف محتويات الكتاب طموح المشروع: الشائعات، والهوية الافتراضية، وتغييب العقل الجماعي، والحروب النفسية، وصولًا إلى إدارة العالم عبر التحكم في السلوك لا عبر السلاح. نحن أمام محاولة جادة لربط ما يبدو متفرقًا في حياتنا اليومية داخل إطار تحليلي واحد.
تأتي أهمية الكتاب، في تقديري، من كونه يضع القارئ أمام مسؤولية شخصية: أنت لست مجرد ضحية بريئة دائمًا، بل طرف في المعادلة. فالكلمة لا تعمل وحدها، بل تحتاج إلى قابلية داخلية للاستقبال. وهنا يذكّرنا المؤلف بأن أخطر ما في التوجيه الناعم أنه يعتمد على تسليمنا الطوعي، وعلى غياب النقد، وعلى اعتياد الاستهلاك السريع للمعلومة دون تفكير.
ليس من المصادفة أن يستحضر الكتاب أعمال جوستاف لوبون، خاصة أفكاره حول سيكولوجية الجماهير، وكيف تفقد الحشود قدرتها على التفكير الفردي حين تذوب داخل الكتلة، وتصبح أكثر قابلية للتأثر بالشعارات والصور والانفعالات. الجديد هنا أن “السيطرة الصامتة” ينقل هذه الرؤى الكلاسيكية إلى العصر الرقمي، حيث لم تعد الجماهير تجتمع في الميادين فقط، بل تعيش داخل خوارزميات، وفقاعات معلومات، وغرف صدى.
لا يقدم “السيطرة الصامتة” وصفة جاهزة، لكنه يقدّم ما هو أثمن: كشفًا لآليات تشكيل الوعي في عصر المنصات. وهو تذكير ضروري بأن معركة اليوم لم تعد تُدار فقط بين أفكار متعارضة، بل بين سرديات تتنافس على عقول الناس. في هذا السياق، يصبح التفكير النقدي فعل مقاومة، وتصبح القراءة العميقة موقفًا، ويصبح استرداد الوعي خطوة أولى لأي حديث جاد عن المستقبل.
بالنسبة لي، كانت مناقشة هذا الكتاب تذكيرًا مهمًا بأن معركة الوعي لم تعد ترفًا فكريًا، بل صارت شرطًا للبقاء الثقافي والاجتماعي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.