لم تعد حماية الأوطان مقتصرة على القوة العسكرية أو الإجراءات الأمنية، بل أصبح الوعي الجمعي هو خط الدفاع الأهم في مواجهة محاولات التشكيك والتفكيك. فالدولة التي يمتلك شعبها وعيًا ناضجًا، قادرة على الصمود مهما تعاظمت التحديات وتعددت الضغوط.
الوعي الوطني ليس حالة انفعال عاطفي، ولا اصطفافًا أعمى، بل قدرة على الفهم والتحليل وربط الأسباب بالنتائج. وهو إدراك أن الدولة كيان معقّد، تُدار قراراته في ضوء حسابات شاملة، لا بمنطق اللحظة أو الانطباع السريع. فالأزمات التي تمر بها الدول اليوم، خصوصًا في محيط إقليمي مضطرب وعالم يواجه اختلالات اقتصادية حادة، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق العام.
تمر مصر بمرحلة دقيقة تتقاطع فيها تحديات الداخل مع ضغوط الخارج، وهو وضع تشهده أغلب دول العالم، وإن اختلفت الدرجة والحدة. وفي مثل هذه المراحل، يصبح الفرق واضحًا بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى التصحيح، وبين خطاب التشكيك الذي يهدم الثقة دون أن يقدم بديلًا. فالنقد قيمة، أما الهدم فمغامرة لا يدفع ثمنها إلا الشعوب.
أخطر ما يواجه الدول الحديثة ليس السلاح المباشر، بل الأفكار التي تُبث بهدوء، وتعمل على إقناع المواطن بأن الدولة عبء، وأن المؤسسات خصم، وأن زعزعة الاستقرار طريق مختصر للإصلاح. وقد أثبتت التجارب القريبة أن هذه الأفكار لا تنتج حرية ولا عدالة، بل تفتح أبواب الفوضى، وتضع المجتمعات أمام مصير غامض.
الوعي الوطني لا يعني تبرير الأخطاء أو إغلاق باب المساءلة، بل يعني ممارسة هذا الحق بقدر من المسؤولية والإنصاف. فالدولة التي تُبنى عبر عقود يمكن أن تُهدم بخطاب متسرّع، إذا غاب الوعي وغُلّبت المشاعر على العقل. وبين الاختلاف المشروع والتشكيك المتعمد مسافة، من يتجاوزها يدرك متأخرًا أنه أضر بالجميع.
لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تسقط فقط حين تُهزم عسكريًا، بل حين تفقد مجتمعاتها ثقتها في ذاتها وفي مؤسساتها. أما الدول التي صمدت، فقد امتلكت وعيًا جمعيًا حدَّه الأدنى هو الاتفاق على بقاء الدولة، حتى مع اختلاف الرؤى وتعدد الآراء.
ومصر، بحكم موقعها وثقلها، لا تملك رفاهية الفوضى أو التجربة غير المحسوبة. فاستقرارها ليس شأنًا داخليًا فحسب، بل عنصر توازن في محيط إقليمي شديد الحساسية. ومن هنا، يصبح الوعي الوطني مسؤولية مشتركة، تبدأ من الدولة ولا تنتهي عند المواطن.
في لحظات التحوّل، لا تنتصر الأصوات الأعلى، بل العقول الأهدأ. فحماية الوطن تبدأ بحماية الوعي، والعقل الواعي يظل دائمًا أقوى من أي اندفاع، وأبقى من أي شعارات عابرة.