في دهاليز السياسة الدولية، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تمتلكه من ترسانة عسكرية، بل بقدرتها على تحويل تلك الترسانة إلى “إرادة سياسية” صلبة تفرض احترامها على الجميع. وما شهدته أروقة “الكنيست” مؤخراً من تصريحات لافتة لرئيس وزراء الاحتلال، حول ضرورة “مراقبة الجيش المصري ومنعه من التغول في القوة”، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحول الاستراتيجي الجذري الذي تعيشه الدولة المصرية، والذي انتقل بمفهوم الأمن القومي من “الدفاع الساكن” إلى “الردع الشامل”.”
لطالما اتسمت السياسة الخارجية المصرية بـ “الرشد” والهدوء، لكن هذا الهدوء كان دائماً يستند إلى درع وسيف. إن القلق الذي أبداه الجانب الآخر عقب زيارة الرئيس التركي للقاهرة، مؤخراً، ليس نتاج صدفة، بل هو نتاج إدراكهم أن مصر نجحت في فك شفرة “التبعية التسليحية.”
إن توقيع اتفاقيات لتصنيع منظومات الدفاع الجوي “تولغا” وإنشاء مصانع للذخيرة على أرض مصر، يعني أن القاهرة قررت تأمين “الأنفاس الطويلة” في أي صراع محتمل. فالجيش الذي يصنع رصاصته ويدير منظومات دفاعه بتكنولوجيا محلية، هو جيش يمتلك قراراً سيادياً لا يمكن كسر إرادته عبر قطع الإمدادات أو الضغوط الدبلوماسية.
كما أن الإسهاب في الحديث عن الشراكة المصرية التركية لإنتاج أجزاء من المقاتلة “كآن” (KAAN) يجرنا إلى حقيقة كبرى: أن الدولة المصرية لم تعد تكتفي بامتثالها لخرائط القوى الجوية التقليدية، بل قررت القفز نحو “التكنولوجيا السيادية”. الدخول في تصنيع مقاتلات الجيل الخامس هو بمثابة “تغيير لقواعد الاشتباك” في المنطقة؛ فهو ينهي زمن التفوق الجوي النوعي الذي كان يُمنح لبعض الأطراف على حساب أخرى، ويجعل من سماء مصر منطقة محرمة على أي تفكير في المغامرة.
إن القاهرة لا تنظر إلى قوتها العسكرية كأداة للعدوان، بل كضمانة لحماية ثروات الشعب المصري في شرق المتوسط. كما أن محاولات التحجيم أو “المراقبة” التي دعا إليها رئيس وزراء الاحتلال تنم عن إدراك عميق بأن القوة المصرية الصاعدة أصبحت حجر العثرة أمام أي طموحات توسعية أو محاولات لفرض الهيمنة المنفردة على ثروات الغاز والممرات الملاحية.
إن الردع المصري اليوم يتحدث لغة “المصالح المشتركة” مع الحلفاء، ولغة “القوة الجاهزة” مع المتربصين. وما الشراكة مع تركيا إلا نموذج لسياسة “تعدد البدائل” التي تنتهجها الإدارة المصرية، بل تفتح آفاق التعاون مع الشرق والغرب بما يخدم هدفاً واحداً: أن تظل مصر هي الرقم الأصعب في معادلة الشرق الأوسط.
وإلى المجتمع المصري، يحق لنا الفخر بجيش لا يكتفي بالتدريب، بل يصنّع ويطور ويواكب أحدث صرعات التكنولوجيا العسكرية.
وإلى المجتمع الدولي، مصر التي استعادت عافيتها، تبني قوة لا تهدف لتهديد أحد، لكنها بالتأكيد لن تسمح لأحد بأن يهدد مصالحها أو يملي عليها حدود قدراتها.
إن “الجمهورية الجديدة” هي جمهورية القوة الرشيدة، والسيادة الكاملة، والقدرة على تحويل مخاوف الخصوم إلى شهادات نجاح توثقها كتب التاريخ ومراكز الدراسات الاستراتيجية العالمية.