د.محمد السيد سالم يكتب | قيادة التغيير والمقاومة

0

في عالم يتسارع فيه الإيقاع وتتبدل فيه المفاهيم والتقنيات وأنماط الحياة، تبرز مقاومة التغيير كظاهرة إنسانية واجتماعية متكررة، تقف أحياناً عائقاً أمام التطور، وأحياناً أخرى كآلية دفاع طبيعية لحماية الاستقرار والهوي، حيث يرى خبراء علم الاجتماع أن السبب الأبرز لمقاومة التغيير هو الخوف من المجهول، فالإنسان بطبيعته يميل إلى ما اعتاد عليه حتى وإن كان غير مثالي، لأن المألوف يمنحه شعوراً بالأمان والسيطرة، أي تغيير مفاجئ في بيئة العمل أو في القوانين أو في أنماط العيش، قد يُفسـَر كتهديد للمكانة أو للدخل أو حتى للهوية الشخصية، كما تظهر مقاومة التغيير بوضوح داخل المؤسسات والشـركات عند إدخال أنظمة جديدة أو إعادة هيكلة إدارية، فالموظفون قد يقاومون ليس لأنهم ضد التطوير، بل بسبب غياب التواصل الواضح أو الخوف من فقدان وظائفهم أو عدم إشراكهم في عملية صنع القرار، وهنا يؤكد مختصون في الإدارة أن التغيير الناجح لا يُفرض بل يُدار بالحوار والتدريب وبناء الثقة.
فالتغيير حقيقة ملازمة للحياة لا يمكن الهروب منها ومع ذلك يظل من أكثر الظواهر التي يواجهها الإنسان بالقلق والمقاومة، هذه المقاومة تتأرجح غالباً بين الرفض غير الواعي والوعي المتبصـر، وبينهما تتحدد قدرة الفرد أو المجتمع على التطور، في جانبها الأول تنبع مقاومة التغيير من الخوف من المجهول، من فقدان الأمان أو من اهتزاز الهوية والعادات المألوفة، الرفض هنا يكون تلقائياً دفاعياً وغالباً غير مبني على فهم حقيقي لطبيعة التغيير أو نتائجه، هذا النوع من المقاومة قد يحمي مؤقتاً من الصدمة ولكنه على المدى البعيد يكرس الجمود ويعطل النمو.
أما في جانبها الآخر فتظهر مقاومة التغيير بوصفها وعياً نقدياً هنا لا يُرفض التغيير لمجرد أنه جديد، بل يُفحص ويناقش ويقاس أثره هذا الوعي لا يعادي التطور، بل يسعى إلى توجيهه بما يحفظ القيم ويقلل الخسائر، إنها مقاومة بناءة توازن بين الحذر والانفتاح، وبين الأصالة والتجديد، الفرق الجوهري بين الرفض والوعي هو النية والأداة الرفض يجمد بينما الوعي ينقي ويحسن، مجتمعات وأفراد نجحوا حين حولوا خوفهم من التغيير إلى أسئلة ذكية واعتراضاتهم إلى اقتراحات عملية.
يشير مختصون إلى أن مواجهة مقاومة التغيير تبدأ بالشفافية في شرح أسباب التغيير وأهدافه والمشاركة في صنع القرار بدل الإقصاء والتدرج بدل الصدمات المفاجئة والاستماع للمخاوف بدل تجاهلها، حيث يبقى التغيير سنة من سنن الحياة ومقاومته رد فعل مفهوم لكنه يصبح خطراً حين يتحول إلى رفض مطلق لكل جديد، التوازن بين الحفاظ على الثوابت والانفتاح على التطوير هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الأفراد والمجتمعات في زمن التحولات الكبرى، في النهاية لا تكمن الحكمة في قبول كل تغيير ولا في رفضه كله بل في القدرة على التمييز متى نقاوم؟ وكيف؟ ولماذا؟ فحين تقودنا المقاومة إلى الفهم تصبح جسـراً نحو مستقبل أفضل لا حاجزاً دونه، ليست كل مقاومة للتغيير سلبية ففي بعض الأحيان يكون الرفض نابعاً من وعي حقيقي بمخاطر تغيير غير مدروس أو من الحرص على قيم اجتماعية وثقافية مهددة بالاندثار، المشكلة لا تكمن في المقاومة بحد ذاتها بل في تحولها إلى جمود دائم يمنع التكيف مع الواقع.

عضو تنسيقية شباب الاحزاب والسياسيين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.