يمكن تصنيف الفنون الأمازيغية بالأطلس المتوسط استنادا إلى هذه الأنساق:
– نسق التعبيرات الحركية أو فنون الأداء ويشمل الرقص والمسرح وما يشاكلهما أو يتقاطع مع بعض من مقوماتهما أو عناصرهما.
– نسق التعبيرات الإبداعية ويشمل الإنتاجات الإبداعية المختلفة الشعريات منها والنثريات: الشعر، الحكايات ، الأمثال، الأساطير ، الأحاجي ، الألغاز…
– نسق التعبيرات التشكيلية ويشمل الزخرفة، الرسم، النقش.
– نسق التعبيرات الموسيقية: الألحان والأنغام.
في النسق الأول نقف على التعبيرات الحركية التي تضم الرقص، ونتوقف بوجه خاص على رقصة أحيذوس، فهي فعل أو إنتاج حركي متميز وله مكانته ووظيفته البارزة في الحياة الجمعية بالأطلس،
-” أحِيذُوسْ ”
” أحِيذُوسْ” لفظة أمازيغية تدل، بوجه عام، على رقصة جماعية شائعة بمناطق الأطلس المتوسط ، ولها امتداداتها الأخرى خارج هذه المناطق ،وهي تعود في أصولها إلى الفعل ” حِيذْسْ/ إيحيذْسْ/ إيسْحيذْسْ” بمعنى قام برقصة أحيدوس أو انخرط فيها، والمؤنث “ثاحِيذُوسْثْ” والجمع ” إيحِيذَاسْ” و ” ثيحِيذاسْ ” وفي أمازيغية الأطلس المتوسط نجد وزن الكلمة يتطابق مع بعض الكلمات ذات دلالات خاصة ومختلفة، منها على سبيل المثال ما يحيل على توصيف أصحاب العلل أو ذوي العاهات مثل “أَحِيزُونْ ” ( الأعرج) و “أزِيزُونْ/ أزِينُونْ” الأبكم) ،ومنها أيضا “أحِـيـﯖـُونْ” )ذكر الحجل/ الحيقون ) و ” أهِيضُورْ/ أهيثُور )جلد الحيوان) ويتطابق وزنها جميعا في حالتي الإفراد والجمع، ومثلها ألفاظ أخرى تتحد معها وزنا في حالة الإفراد ولكنها مغايرة لها في حالة الجمع، ومنها “أخِيثُوسْ( البرنس /السلهام) وجمعه ” إيخيثُوسَنْ” و “أعِيضُوضْ” ( أبو مقص/ حشرة) وجمعه ” إيعِيضُوضنْ” و” أغِيبُوبْ” والجمع “إيغِيبُوبَنْ”( صفة قدحية تطلق على الشخص ذي الأصول العربية، وترشح دلالاتها بمعاني الدناءة والحقارة والذلة والهوان )وهذه النماذج تحيل إلى أن أصالة الميزان الصرفي للكلمة قائم في بنيات اللغة الأمازيغية بالأطلس وأن استعمالاتها خاضعة لتطور هذه البنيات ومنحنى الدلالات المحتملة التي علقت بها ،واللفظة كما هو واضح من الكلمات المشتقة وتختزن في عمقها الدلالي مظاهر الوصف، وصف ” حدث” أو ” فعل” ما مرتبط بممارسات وشعائر خاصة، ولذلك نفترض أن الاستقرار الدلالي للكلمة مرَّ عبر كمية من المعاني غير محددة بالنسبة لنا ، اليوم ،بشكل ساطع ، يعزز هذا ما نلاحظه من مظاهر التماس او التعالق بين لفظة ” أحيذوس ” ولفظة ” أورارْ” ( اللعب) إذ تشيران معا إلى الرقصة الجماعية مع تباين واضح في إطلاقهما، وهو ما يؤكد العلاقة الوطيدة القائمة بين الكلمتين حيث تستعملان معا للدلالة على تعبيرات حركية وأدائية خاضعة لقيود وسمات خاصة، و” أورار” أقرب في معناها إلى العمومية والشمولية ويتسع المجال أمام إطلاق دلالاتها، بينما ” أحيذوسّ” يغطي أفقا دلاليا محددا، قد يكون تفرع من ذلك المعنى العام ” أورار”. والمرجح أن لفظة ” أورار” هي التي أطلقت في بداية الأمر اعتبارا لما للعب من أدوار أصيلة في الوجود الإنساني، وإسهاماته الفائقة في تطوير أساليب بلورة الهوية الخاصة وترسيخ الشعور بالانتماء إلى الجماعة والارتباط بتاريخها وثقافتها واكتسب معاني خاصة انضافت إلى دلالاته عبر صيرورة التحولات التي شهدتها المجتمعات الأمازيغية عبر التاريخ وتولدت عنها أشكال مختلفة من ” اللعب المنظم” الذي يخضع لقواعد وأصول موحدة تنبني على المشاركة والتعاون وتتجلى فيه الكثير من العلاقات الاجتماعية. (1)
والترابط بين الكلمتين وتقاطعاتهما الدلالية يحفزنا على القول إن التشكيل العام ل”أحيذوس” تطور عمليا من خلال تشكيلات ألعاب مختلفة كانت سائدة في المجتمعات الأمازيغية القديمة ومنها استمد على مر الزمن طاقاته التعبيرية والحركية. ولعله من المفيد الإشارة هنا إلى أننا قد نعثر على بعض من ظلال وآثار حضوره في لعبة ليلية معروفة يمارسها الفتيان والفتيات في الليالي المقمرة بالأطلس تعرف ب ” دُّوسِينْ” وتنجز في شكل دائرة مغلقة تتحرك فيها الأجساد الصغيرة في اتجاه دائري متموج ، مع الحذر الواجب خشية انقضاض “الليث” العدو المفترض الذي سيهاجم الدائرة لتفكيك حلقاتها واحدة تلو الأخرى. (2) . والبنية التشكيلية للعبة تتماس في بعض مكوناتها مع شكل “أحيذوس” ولا نستبعد احتمالات التقاطع بين التشكيلين وصيغ التلاحم والتكامل بينهما. ودلالات ” أحيذوس” العميقة في تقديرنا ترتبط بهذه الأصول ولو أن كثيرا من حلقات الترابط في هذا السياق تظل غائبة ومفقودة.
لذلك فإن دلالات ” أحيذوس” ،في الواقع، تطورت عبر علاقات سياقية وليدة تحولات ومتغيرات شتى ساهمت في ترسيخ منجزه التشكيلي المادي وغير المادي. وهي على هذا الأساس دلالات مشحونة بحمولات رمزية ودلالية ثاوية تختزن الكثير من الحقائق الاجتماعية الفردية والجماعية في تاريخ الإنسان الأمازيغي وعلاقاته بالكون والعالم المحيط به. على اعتبار أن ” أحيدوس” هو إحدى أقوى اللغات والحركات التعبيرية التي حاول الإنسان الأمازيغي من خلالها استيعاب هدا العالم وامتلاكه والسيطرة عليه.
من هذه الزاوية فإن الفعل ” حيذس/ إيحيذس..” فعل متفرع عن الفعل ” يُورَارْ” ( لعب) وهو إحدى تجلياته، وهو وليد تجارب شتى اجتماعية وثقافية وحضارية أسهمت في إضفاء معنى خاص به يتحرك في سياقاته ويحافظ على سماته التشكيلية ، ولا شك أن ثمة معايير ومقاييس معلومة هي التي تحكمت في سماته ومميزاته وهي التي منحته إطار أو صيغة استقلال أو تحرر أو انعتاق من ربقة أجناس أخرى ل ” أورار” قد تعود إلى ما يمكن نعته بالتميز أي الاعتماد على خصائص تلقائية أو موجهة خاضعة لقواعد وضوابط لها دورها في إدراك الأشياء والعالم كما يراه الإنسان الأمازيغي، ومن الصعب الوقوف على تحولات وتراكمات وسيرورة هذا “الاستقلال” ضمن شبكة العلاقات والاستراتيجيات المختلفة ل” أورار” بوجه عام، غير أن الثابت ان الفعل ” حيذس” خضع لخصائص ذات أبعاد كبرى حضارية وثقافية وروحية وعلى ضوئها اكتسب قيمته الفنية والاجتماعية والتاريخية ليعني شكلا محددا من أشكال ” أورار” ويتوفر على جاذبية جمالية يحصن بها كيانه المتفرد الذي يتأسس على جزئيات ومعالم تحيل إلى مناحيه وأبعاده ، وتجعله منصهرا في دائرة ” أورار” في الوقت الذي يبدو فيه وكأنه خارج عنها أو منفصل عن مداراتها، وهو ما يقودنا إلى الإقرار بدور الفعل ” حيذس” في إعناء الممارسات المرتبطة ب” أورار” وشحن امتداداتها التعبيرية والحركية بكثير من مظاهر الاحتفاء بالوجود والحياة.
إن ارتباط ” أحيذوس” إذن ب” أورار” هو ارتباط عضوي لكنه يتميز بخاصيته الجمالية التي تؤسس سياقها الحيوي الفريد وتقف جنبا إلى جنب مع مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية للإنسان الأمازيغي.
قد يعفينا هذا الطرح بشكل أو آخر من افتراض دلالات أخرى للفظة ” أحيذوس” خارج هذا المجال، باعتبارها مثلا كلمة مركبة قائمة على عنصرين دالين اثنين هما: ( آحْ) و (دُوسْ)، العنصر الأول ( آح) هو “اسم صوت” ذو طبيعة انفعالية يوظف مصاحبا لبعض الأعمال الشاقة التي تستوجب الجهد البدني والعضلي وتستوجب طاقة غير اعتيادية للتحمل، كما يوظف كذلك للتعبير عن الإحساس بالألم أو الوجع والتوجع، و يوظف كذلك للتعبير عن الشعور باللذة والغبطة والابتهاج، وإصداره يتناغم مع إيقاعات الإحساسات أو الانفعالات والممارسات أو الأعمال التي يتم إنجازها، وينهض بدور محوري في عمليات التخفيف من شدتها و وطأتها. أما العنصر الثاني ( دوس) فقد يكون بدوره اسم صوت ويتعذر، على الأقل بالنسبة لنا ،الحسم في بعده الدلالي .
أما الزعم بأن الكلمة ذات أصول لاتينية فليس بوسعنا تأكيدها أو نفيها (3)والقول كذلك بأن الكلمة مشتقة من “الحدس” الكلمة ذات الأصول العربية لا يصمد أمام الوقائع إذ الكلمة لها أصولها الأمازيغية العريقة، والدلالات القائمة للفظة الحدس ( المقدرة الغامضة على المعرفة) لا تقترب بتاتا من دلالات أحيدوس وطبيعته ومقوماته المختلفة.(4) ونستبعد في الوقت ذاته الزعم بأن كلمة ” أحيّذوس” تعني في اللغة الأمازيغية ” الفارس الشرس” (5) إذ لا اساس لها ولا تسندها أية معطيات لغوية أو دلالية في صلب الأمازيغية بالأطلس على الخصوص. ويبدو لي أن هذا النمط من التأويلات أو التفسيرات تضع نفسها بعيدا عن إدراك حقيقة ” أحيذوس” كتجربة جمالية وتعبيرية أمازيغية خاصة وتضع معناه موضع تساؤل مريب.