في كل حال فإن ” أحيذوس” ممارسة فنية وطقس(6) خاص يؤدي دوره البارز كمؤشر للعب المنظم ويرسخ جانبا من جوانبه، ومن خلاله حاول الإنسان الأمازيغي قديما استيعاب هذا العالم والسيطرة عليه ،وهو من هذه الزاوية مثقل بكثير من الإيحاءات والإيماءات والإشارات والأصوات والإيماءات والإيقاعات وربما شكل إحدى الصيغ التعبيرية الأولية لدى الإنسان الأمازيغي، فقبل أن يخترع الإنسان الكلام ، كما يقال، لآبد أنه رقص، ولهذا سمي الرقص باللغة الأولى للإنسان (7) وأحيدوس تبعا لهذا كان اللغة الأولى للإنسان الأمازيغي، وهو لا يشكل سياقا تعبيريا يجسد عفوية البوح والإفصاح عن مشاعر وإحساسات شعورية أو باطنية خاصة فحسب، ولكنه أيضا بناء أو لنقل معمار أو تشكيل هندسي ، لأن الفعل المقترن به والعالق بطبيعته هو الفعل ” إيصْگا ” ( نصب، نصَّب ،رفع وأقام أو بنى) وهو فعل يفترض الإعداد والتخطيط والتصميم والتركيب والتنظيم، أي أن الأمر يتعلق هنا بفعل أو عمل أو نشاط يتأسس على مجموعة من علائق وترتيبات متشابكة ومتناغمة هي التي تمنحه هويته ، للإشارة فإن حقل توظيف الفعل “إيصكا” تتحصن داخل بعده الدلالي معالم الترتيب والتنظيم والتشكيل الهندسي والمهارة “إيصْكا أخامْ” ( نصب الخيمة) مثلا، إضافة إلى البعد الجمالي الذي يضفي ظلال السمو والتفوق على كل عناصر ومقومات الشكل والمحتوى، فالبناء هنا صيغة من صيغ الإبداع والإتقان والقوة أيضا، وعلى هذا المستوى لا يمكن إدراك أو استيعاب “أحيذوس” خارج هذه الدلالات والجوهر فيها أن الأمر يتجاوز التعبير عن الفرح أو المرح أو السعادة للتعبير عن رؤى وتصورات عريقة وبعيدة كانت لها وظيفتها الثقافية والرمزية في تاريخ الإنسان الأمازيغي.
واقتران الفعل ” إيصكا” بأحيدوس يجعل منه ” واقعة جمالية” تحوي قواعد وضوابط محددة تدرجت عبر التاريخ وتطورت بحسب البيئات التي كان يعيش فيها الإنسان الأمازيغي وبحسب الحالات أو الأوضاع أو المناسبات التي كان يستثمر فيه طقس أحيذوس والغايات الكبرى المضمرة والبارزة التي كان يسعى إليها.
وإذا وضعنا في الاعتبار أن الرقص كان على الدوام ضرورة اجتماعية وكان ينهض بمهمات تنظيم نشاط الإنسان، فإن أحيذوس سيكون الإطار المناسب الخاص لتوجيه ممارسات الإنسان الأمازيغي وحياته استنادا إلى اعتبارات ثقافية متباينة، ولا ريب أنه كان في مراحله البدئية الأولى يتماس ويتداخل مع الممارسات السحرية ووظف لمواجهة الأخطار المختلفة التي كانت تهدد الأنماط البدائية للحياة الاجتماعية للإنسان الأمازيغي ومحاولاته الدؤوبة للسيطرة على الطبيعة وإخضاعها لإرادته ورغباته، ومن ثم يشكل حقل جاذبية خاصة تتجدد باستمرار مع تحولات الواقع والحياة الجمعية، والتصورات الخاصة بالنظام المعرفي الخاص بالمجتمعات الأمازيغية العريقة والأصيلة. والغالب أنه كان كذلك مظهرا من مظاهر التصدي للطبيعة وسطوة الكون ومواجهة المخاوف التي تحيق بالإنسان الأمازيغي وتهدد وجوده الفعلي، ووظف لاسترضاء القوى الغيبية الرهيبة ومواجهة الأرواح الشريرة وللتزلف والتقرب من الآلهة المفترضين لضمان أسباب العيش الآمن والحماية من قوى الشر والدمار، وكان صيغة أولى للتقديس والتوسل والتضرع ضمن الرؤى التي كان الإنسان الأمازيغي يدرك بها العالم المحيط به.
في خضم هذه السياقات يمكن القول إن ” أحيذوس” بمثابة طقس عبور ومن أبرز الطقوس الانتقالية التي مارسها الإنسان الأمازيغي عبر تاريخه العريق، ولا سيما أن هذا الطقس في تشكلاته الأولية كان يقام عمليا أو يمارس في مواسم أو مواعد ومواقيت محددة، وهي غالبا مرتبطة بتحولات الحياة الرعوية والزراعية وتقلباتها، حيث تقام شعائر الاحتفاء أو الاحتفال بانتهاء الموسم الزراعي وجني وجمع المحاصيل، والاستعداد لاستقبال موسم زراعي ورعوي جديد، واتسع مجال استثماره أو توظيفه مع التطور خارج هذه المواعد ، وبالأطلس المتوسط قبل عقود كانت الاحتفالات الجماعية والفردية وما يرتبط بها من طقوس تقام بعد الانتهاء من جمع المحاصيل الزراعية حيث يلتئم كل أعضاء القبيلة لإقامة هذه الاحتفالات التي قد تستغرق أسبوعا كاملا، وأقل من ذلك أحيانا، وقد اختل هذا النظام الآن بفعل المتغيرات الجوهرية العديدة التي دمرت مظاهر الحياة الجماعية وحطمت عرى القبيلة وأعرافها وقيمها التاريخية والثقافية، ومن الصعب علينا اليوم تحديد منحنى التشكلات أو السياقات الأولى لتطور رقصة أحيدوس، ولكن من المؤكد أنه كان مرتبطا بفعاليات خصب الطبيعة والإنسان وتحدياتهما.
الجدير بالإشارة هنا أن من بين الأنساق الحركية الأخرى التي يظهر أنها ذات علاقة ما، وترتبط بشكل أو آخر بالرقص وتشكلات أحيذوس، ما يعرف بالرقص الجنائزي، وطقس ” أﮜـجْذُور” ( الندب وبكاء الميت مع ما يصاحبه من توجع ونواح ،مع خدش الوجه وتمزيق ملامحه وقسماته)(8) الذي ساد بمناطق الأطلس المتوسط إلى وقت غير بعيد، يجسد في أصله شكلا من أشكال الرقص، وهو طقس يحتوي ردود الفعل الحركية والعاطفية القصوى والهيستيرية للتعبير عن حرقة الفقدان وغياب الأحبة، إنه في تقديرنا أحيذوس الموت لو يجوز التعبير.
والسائد أن تشكيل أحيذوس يقوم على معمار أو شكل خاص هو الشكل الدائري إذ يتناسق شكله العام في إطار دائرة متحركة تتماوج فيها الأجساد التي تشكل حلقاتها، والشكل الدائري على هذا المستوى له دوره الحاسم في هذا الباب وهو إلى حد ما جوهر ممارسة طقس أحيذوس ويستغرق كيانه وهويته الشمولية، والدائرة إحدى الأشكال الهندسية المعروفة في العديد من الحضارات وتكتسب دلالاتها أبعادا رمزية خارج سياقها المرئي، فهي رمز سماوي وسحري وتحيل إلى الكمال وإلى اللانهاية والاستمرارية، كما تتضمن دلالات التناغم وعدم التناثر أو الانقسام(9)ودلالات الحصانة والمناعة والحماية من الأخطار، واعتمدت منذ القدم كإطار لتنظيم وبناء المدن لدى بعض الشعوب، فالمسرح الإغريقي مثلا كان على شكل دائرة مقدسة وحلقات السحرة في حضارات مختلفة كانت تقام على شكل دوائر صاخبة ومعظم السحرة يومن بالقوة السحرية الفائقة للدائرة (10) وفي ما بعد اكتسبت الدائرة طابعها التقديسي مع الممارسات الدينية خاصة لدى المتصوفة حتى إن رقصة الدراويش الدائرية ” مستوحاة من رمزية كونية، فهم يقلدون دورة الكواكب والأفلاك حول مراكزها بحثا عن الله..”(11) وعلى هذا المستوى نرجح أن أحيذوس في مراحله الأولى والبسيطة كان يشكل دائرة تتألف من سلسلة طقوس تنهض بدور سحري محدد، وكان أداة تواصل وتفاعل مع الطبيعة والقوى الخفية الكامنة فيها أو الآلهة وكل “الأشياء” التي كان الإنسان الأمازيغي يقدسها ويبجلها ويواجه أخطارها ” فقد تحدث الإنسان إلى آلهته بالرقص وشكرها بالرقص وتضرع إليها أيضا بالرقص”(12).
وأحيذوس كتعبير حركي داخل كيانه الدائري ينهض فيه الجسد وأعضاء الجسد بدور محوري ،حيث تساهم عبر حركاتها في بناء الشكل وصيانته وإضفاء الأبعاد الجمالية الخاصة عليه، إن الأجساد في هذه الحال هي ما يمنح الطقس قيمته التعبيرية ويشحنه بنبض الحياة التي توجهه، وتتناغم حركة الأجساد هنا بشكل فريد حيث الأطراف العليا تتحرك في انسياب وتلقي بإيقاعاتها على الأطراف السفلى، وتتعانق حركة الأكتاف في تموجها وصعودها أو انحدارها مع حركة الأقدام واندفاعها إلى جهات الخلف أو الأمام، ومع حركات الأيدي في وضع انفصالها أو التحامها وتشابكها أو في حال التصفيق، بحيث تنثال الإيقاعات متناسقة ومنسجمة وتتوحد الأجساد كجسد واحد يحصن محيط الدائرة المتحرك،(13) وتتخلل هذه الحركات والتموجات أحيانا حركات خبط الأرض عبر إيقاع طارئ ينطوي بمعنى أو آخر على مظهر التعلق بالأرض والتشبث بها، ف” الجسد يؤسس علاقته بالأرض عبر القدم، “(14)ولذلك يكتنز خبط الأقدام دلالات عريقة وعميقة ذات أصول سحرية وأسطورية قديمة إن ” الضرب بالقدم يعمل أيضا على استدعاء طاقة شيء معبود، والارتداد بهذه الطاقة إلى الذات، وما يتم تصوره خاصة من خلال خبطات الأقدام …هو استجابة متبادلة بين المؤدي والروح..” ( 15) وفي الغالب فإن مجموع هذه الحركات محملة بانفعالات وأحاسيس حادة تعرض في شكل درامي ذي سحر احتفالي متميز.
هكذا فإن دائرة أحيذوس تشكل ” عالما” خاصا يحمل في صلبه إيقاعات مرئية وغير مرئية تتحكم في الأجساد وترجُّ خوامدها وتفجر سواكنها، هذه الإيقاعات التي تستمد مظاهرها وطبيعتها من خلال التماهي مع حركية الكون والعالم المحيط بالإنسان الأمازيغي وكائناته وما يزخر به من متغيرات شتى، كما تشكل كذلك حصنا متينا يحيل إلى معالم التلاحم والتضامن والإحساس بالانتماء والأمان الجماعي.
وتتنوع حركات الجسد في هذا السياق على نطاق واسع وتتباين صيغها من مكان لآخر ومن مجموعة بشرية أو قبيلة لأخرى، مما يعني ثراء وغنى صيغ وطرائق أداء طقس أحيذوس في كل مناطق الأطلس المتوسط من شماله لجنوبه ومن الشرق إلى الغرب، وتشكل على هذا المستوى تعبيرا ملموسا عن الممارسات اليومية وقيم الجماعات المتوارثة بما تحفل به من تمثلات وتطلعات كما تعكس المشاعر الاجتماعية والوجدان الجمعي الخاص.
وكما أشرنا فإن البدايات الأولى لطقس أحيذوس كانت مندرجة ضمن الممارسات السحرية، وأدى وظيفته في هذا الإطار استجابة لتصورات ومعتقدات خاصة أسطورية وخرافية وسحرية ودينية، وكانت تتخلل إيقاعاته وتشكيلات أدائه المختلفة تراتيل وأدعية وتعاويذ محددة، بحيث غدا طقسا تعبديا ومظهرا أساسيا للحياة الدينية لدى الأمازيغ، تلك التراتيل والأدعية هي التي تحولت إلى أهازيج وجسدت البدايات المتعثرة والمضطربة للإنجاز الشعري وما يتصل به، والتي كان لها دور أساسي في تعزيز بناء أحيدوس وتطوير مناحي أداءاته، ولذلك يمكن القول إن طقس أحيدوس كان الموطن الأكبر ومهد البدايات الشعرية. هذه البدايات التي كانت تتناسل داخل الإيقاعات المختلفة التي يقوم عليه أحيذوس. والمفترض أن تكون هذه البدايات أول الأمر عبارة عن مقاطع صوتية بسيطة يتم ترديدها بموازاة الإيقاع الخاص لأحيذوس، وتترسخ مع الزمن في الذاكرة الجمعية عبر الدوران على ألسنة الأفراد أو الجماعات.
أبرز الإيقاعات التي يقوم عليها أحيذوس يمكن إجمالها كالآتي:
– إيقاع ( آمْسَرَّحْ) ونضع له المقابل العربي ” المستوي” وجذر الكلمة يعود إلى الفعل ” إيسَرَّحْ” بمعنى تحدَّر أو سار في المنحدر(16)، وهو إيقاع بطيء إلى حد ما في امتداد أو انحدار تنهض فيه الأجساد بحركات هبوط وانحدار وصعود متناسق ومتناغم مع الإيقاعات التي تحددها ضربات الدفوف وقد يطلق عليه ” أحيذوس أكسواث” ( أحيذوس الأكبر) (17) ورغم أن إيقاعه يبدو بسيطا وسلسا إلى حد ما ، إلا أنه صعب المراس ولا يكاد ينخرط فيه إلا الأفراد المتمرسون المهرة وذو الخبرة والتجربة في بناء أحيذوس.
– إيقاع ” عوكش” أو ” هوكش” ولعل الاسم تولد عن الأصوات التي تتخلل الإيقاع هنا وتصاحبه مثل : “هوكس/ هوكش” ويتميز بإيقاعاته السريعة والانخراط فيه لا يتطلب المهارة الفائقة كما هو الشأن بالنسبة لإيقاع «آمسرح”.
– إيقاع ” ثامهاوْشث” أو الجذبة وهو إيقاع بطيء وثقيل والغالب أنه يعتمد في حالات خاصة وطارئة ولا يكاد يتجاوزها، حين تنتاب بعض الأفراد مثلا نوبة هيستيرية ورغبة جامحة في الرقص حيث يحاصر داخل دائرة أحيذوس وتحاصر أو بمعنى آخر تدعَّم حركات جسده وانفعالاته بموسيقى قوية تؤجج مظاهر الجذب فيه حتى يشبع رغبته ويسقط بعدها على الأرض مغمى عليه، ويقال إن ذلك يوفر له الأمن والسلامة والاستقرار والصفاء الروحي ويساهم في طرد ودحر الأرواح الشريرة من جسده المسكون.
قد تكون هذه الإيقاعات أو الأشكال عامة، لكن كثيرا من الخصوصيات تتدخل في هذا السياق لتطبع أحيذوس بسمات خاصة وتضفي عليه ألوانا من الفرادة والتميز، ولذلك سنصادف العديد من الإيقاعات في هذا المجال تتباين من موقع لآخر مما يعني أن أحيذوس تتوفر له بنيات خاصة تعبر عن الإشكالات والتقاليد الحيوية لكل مجموعة قبلية.
وكخلاصة إن طقس أحيذوس داخل المنظومة المعرفية والثقافية الأمازيغية بالأطلس المتوسط يؤدي أدوارا رائدة في صون وحماية بعض رواسب التقاليد والأعراف الأمازيغية التي وسمت الصيرورة الحضارية للإنسان الأمازيغي، وهو إحدى البؤر الثقافية التي تتكتل فيه مجموعة من الأدوار الوظيفية وتتقاطع أو تتلاحم في بناء صرح الإبداعات الفنية الأمازيغية، وهو على هذا المستوى له وظيفته الاجتماعية والمعرفية والثقافية والروحية ووظيفته الإبداعية والجمالية، وكل هذه الوظائف متلاحمة ومتداخلة ومتشابكة ولو أن لبعضها طابعه الجزئي’ لكنها جميعها تلتئم ضمن نسيج دائرة أحيذوس باعتباره كلا لا يتجزأ وباعتباره كينا متعدد الروافد والضفاف يراوح عبرها استبطان العالم واكتشافه.