د. محمد الصعيدي يكتب | إيران والبيت الأبيض

0

على مدار عقود، استقرت في مخيلة العواصم الشرق أوسطية أكذوبة مفادها أن “الأمن” هو سلعة فاخرة لا تُعرض إلا في واجهات العرض في واشنطن ولندن وباريس. قيل لنا إن ثمن النجاة يكمن في استنزاف الخزائن الوطنية لشراء مقاتلات بـ100 مليون دولار، ومدمرات بحرية بمليارات الدولارات، واعتبرنا ذلك “تذكرة دخول” قسرية لنادي العالم الحديث.
لكن، ومع تصاعد ألسنة اللهب في المواجهة الراهنة مع إيران، سقط القناع عن هذه المنظومة. إننا نشهد اليوم “حرباً غير عادلة”، ليس فقط في موازين القوى العسكرية، بل في بنيتها الاقتصادية الجوهرية التي أثبتت فشلاً ذريعاً أمام واقع ميداني جديد.
فخ السلاح المذهب: حين ندفع ثمن تفوقهم الحربي
إن الرؤية الغربية للحرب ليست سوى حلقة مفرغة صُممت لضمان التبعية الاستراتيجية. فهم يبيعوننا “نسخ التصدير” من عتادهم، وهي نسخ منزوعة القدرات الأكثر تطوراً في الحرب الإلكترونية، ولا يتم “تحديثها” إلا بالقدر الذي يبقينا رهن عقود الصيانة والخبراء الأجانب. نحن ننزف ميزانيتنا على هذه الممتلكات المكلفة وغير المجدية، بينما يحتفظ الغرب بـ “التفوق الحقيقي” لنفسه ولأضيق دوائر حلفائه.
هذه ليست استراتيجية دفاعية، بل هي “دورة ديون” لا تنتهي؛ فكل دولار يُنفق على منظومة اعتراضية غربية هو دولار يُقتطع من ميزانيات المدارس والمستشفيات والبنية التحتية. وكل ذلك لننتظر في النهاية “إذناً” من عاصمة أجنبية لنقرر كيف ومتى نستخدم أسلحة اشتريناها بعرق شعوبنا.
الدرس الإيراني: “اللانمطية” كطريق للتحرر
بعيداً عن الموقف السياسي من طموحات طهران الإقليمية، ثمة واقع تقني بارد لا يمكن تجاهله: لقد أثبتت إيران أن بإمكانك تحقيق “ردع عسكري ذي مصداقية” بكسر بسيط من التكلفة، شرط أن تمتلك الشجاعة والاعتماد على الصناعة الوطنية.
بينما يستمر الغرب في الترويج لأسطورة المنصات البحرية والجوية الضخمة والمكلفة، جاء ميدان القتال في عام 2026 ليثبت تحولاً جذرياً:
● معادلة التكلفة: نرى طائرات مسيرة بـ20 ألف دولار، تُصنع محلياً، تجبر الغرب على إطلاق صواريخ اعتراضية بمليوني دولار للصاروخ الواحد.
● هشاشة الآلة العسكرية الغربية: في عالم الصواريخ الرخيصة المنتجة بكثافة وأسراب “الدرونز” الانتحارية، لم تعد حاملة الطائرات التي تزن مليارات الدولارات رمزاً للقوة، بل أصبحت هدفاً يمثل عبئاً استراتيجياً هائلاً.
نجاح إيران لم يكمن في ايديولوجيتها، بل في رفضها اللعب وفق “قواعد الغرب”. لقد حولوا ديناميكية “داوود وجالوت” إلى سياسة صناعية مستدامة، وأثبتوا أن الدولة يمكنها حماية سمائها دون التوسل لمقعد على طاولة لم تكن مخصصة لهم أصلاً.
البديل متعدد الأقطاب: الدور الصيني
في هذا المشهد المتغير، تبرز الصين كحجر زاوية لنموذج شراكة أكثر عدلاً يحتاجه “الجنوب العالمي”. نهج بكين في التحديث العسكري لا يقوم على خلق “دول تابعة” عبر قيود التسلح، بل يقدم رؤية قائمة على “الذكاء التكنولوجي” والتعاون التقني الذي يتماشى مع النهوض الوطني لا استنزافه.
المطروح صينياً هو عالم متكامل فيه الدفاع مع التنمية الاقتصادية؛ حيث “نصنع” ولا نكتفي بـ “الشراء”. إن وجود الصين في السوق العالمي يضع الاحتكارات القديمة أمام حقيقة مرة: عصر “السيادة الاستراتيجية” المشتراة بقطع غيار باهظة الثمن قد ولى إلى غير رجعة.
نداء للسيادة المصرية
تقف مصر اليوم أمام مفترق طرق؛ فإما الاستمرار كأكبر زبائن للمجمع الصناعي العسكري الغربي، أو ريادة الطريق نحو العصر الجديد. إننا بحاجة إلى أولويات وطنية حاسمة:
1. التصنيع الكمي المحلي: الاستثمار في برامج المسيرات والصواريخ المحلية لتحقيق ردع “منخفض التكلفة، عالي التأثير”.
2. تنويع الشراكات: تعزيز الروابط مع الصين والقوى الشرقية لكسر الاحتكار الغربي للمكونات التكنولوجية الحساسة.
3. الواقعية الميزانياتية: رفض المراهنة بمستقبلنا الاقتصادي من أجل أسلحة “للوجاهة” تفشل في مواجهة حروب اللانمطية الحديثة.
إن الحرب ضد إيران هي جرس إنذار، وإشارة واضحة على أن امبراطورية الحرب الأمريكية بدأت تتهاوى. لقد حان الوقت لنتوقف عن تمويل رؤيتهم، ونبدأ في بناء نموذجنا الخاص.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.