حسام موسي يكتب |”إبسن” وتحطيم وهم السعادة

0

يُعدّ هنريك إبسن أحد أبرز رواد المسرح الواقعي، وقد جعل من كشف الأوهام الإنسانية محورًا أساسيًا في مشروعه الفني. لم يكن معنيًا بإدانة الشخصيات بقدر ما كان يسعى إلى فضح البُنى الزائفة التي تمنح الإنسان شعورًا مؤقتًا بالسعادة، بينما تخفي داخله تناقضًا عميقًا. وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في مسرحية بيت الدمية، حيث تعيش “نورا” داخل وهم الزواج السعيد. وفي لحظة الانكشاف الحاسمة، تقول نورا لزوجها: “كنتُ دميتك هنا، كما كنتُ دميةً في بيت أبي.”
بهذه العبارة المكثفة، يفضح إبسن طبيعة العلاقة التي بدت من الخارج مثالية. وعندما تقرر نورا الرحيل، لا تصوّر المسرحية هذا القرار كخلاص مريح، ولكن كصدمة وجودية. تقول:
“يجب أن أقف وحدي تمامًا إذا أردتُ أن أفهم نفسي والعالم.”
إنه إعلان قاسٍ بأن المعرفة لا تأتي دون ثمن، وأن التحرر يبدأ من العزلة المؤلمة.
وفي الأشباح، نرى كيف يتحول الوهم الأخلاقي إلى لعنة. السيدة ألفينج، التي أخفت فساد زوجها حفاظًا على السمعة، تعترف في لحظة مريرة:
“كل ما أخشاه هو أن تعود الأشباح.”
لكن “الأشباح” هنا ليست كائنات خارقة، ولكن هي—كما يوضح النص— أفكار موروثة وأكاذيب اجتماعية تستمر في السيطرة على الحاضر. ويبلغ الألم ذروته عندما يقول أوسفالد:
“أعطني الشمس!”
هذه الصرخة ليست مجرد طلب للنور، وإنما تعبير مأساوي عن إنسان حُرم من الحقيقة، فدفع الثمن في جسده وروحه.
أما في البطة البرية، فإن إبسن يطرح تساؤلًا أكثر تعقيدًا حول قيمة الحقيقة نفسها. يقول الطبيب ريلينج عبارته الشهيرة:
“إذا جرّدتَ إنسانًا عاديًا من وهمه في الحياة، سلبتَه سعادته في الوقت نفسه.”
هذه الجملة تمثل قلب الإشكالية الإبسنية: هل الحقيقة دائمًا فضيلة؟ أم أن بعض الأوهام ضرورة إنسانية؟ فمحاولة “جريجرز” فرض الحقيقة على عائلة إكدال لا تؤدي إلى التحرر، وإنما إلى مأساة، وكأن إبسن يحذر من مثالية قاسية لا تراعي هشاشة البشر.
من خلال هذه الأمثلة، يتضح أن إبسن لا يقدّم إجابة واحدة، ولكنه يضعنا أمام شبكة معقدة من التوترات: بين الحقيقة والوهم، بين الحرية والألم، بين المعرفة والاستقرار. في “بيت الدمية”، تبدو الحقيقة طريقًا للتحرر؛ في “الأشباح”، يصبح الوهم سبب الدمار؛ أما في “البطة البرية”، فتغدو الحقيقة نفسها خطرًا حين تُفرض بلا رحمة.
وهكذا، يمكن القول إن تحطيم وهم السعادة الزائفة عند إبسن هو فعل مأساوي، لكنه ضروري في كثير من الأحيان. غير أن هذا “الضروري” ليس مطلقًا، ولكن مشروط بقدرة الإنسان على تحمّل الحقيقة. فإبسن لا يمجّد الألم لذاته، ولكن يكشف أنه الثمن الذي قد يُدفع في سبيل حياة أكثر صدقًا—حتى وإن كانت أقل طمأنينة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.