تلميذ ريفي في المرحلة الابتدائية من أسرة منهكة في محافظة المنيا، ضاع منه أهم ما يملك وربما أغلى ما لديه -حقيبته الدراسية- وعاد لبيته البسيط خاوي اليدين مثقلا بالهم والحزن مع شقيقته في نهاية يوم دراسي شاق، لتستقبله أمه وبعد تأكدها من ضياع الحقيبة -التي هي بالمناسبة ليست هينة على أسرة بهذا الشكل- فلا يمكنها شراء كتب وأدوات جديدة بسهولة، لم تجد حيلة ولا سبيل إلا السوشيال ميديا كما وجدت الناس يفعلون في مجتمعنا هذا.
فخرجت الأم المسكينة في فيديو يظهر نجلها، تطالب وزير التربية والتعليم بالتدخل لإيجاد الحقيبة، ومع بساطتها فهي لا تعرف التدرج الحكومي أو الهيكل الوزاري لتحدد مع من تتحدث، وبدأ الفيديو ينتشر داخل القرية البسيطة فما كان من مدير المدرسة إلا أن يعوضها بحقيبة مستعملة وبعض الأدوات لينهى الأزمة سريعا، ولكن هيهات أن تمر مادة خام تحقق تفاعلا على السوشيال ميديا مرور الكرام؟!
وتتحول الواقعة إلى نموذج كاشف لبنية أعمق في مجتمعنا، حيث يتقاطع الفقر مع الإعلام، وسط غياب الحماية المؤسسية لطفل بريء، لينشأ نوع جديد من الانتهاك ألا وهو استهلاك الألم الإنساني كمنتج جماهيري، فبدأت الصفحات والمنصات تتناوب على انتهاك حقوق الطفل المسكين وأسرته بشكل هستيري يشير لمستوى خطير من الاستغلال وصلنا إليه، حتى اخترقت كاميرات اللايفات منزل الأسرة المتهالك لتحاور الطفل وتستغل جهل أسرته البسيطة بحقوقه الآدمية وخصوصيته كطفل في الدستور المصري، ومع تنوع الروايات واختلاقها وتطويرها من أجل البحث عن تريند يدر الأموال وعبارات ساخرة تجذب المشاهدين، بدأت بعض القنوات التلفزيونية تتداول الموضوع فقط من أجل المشاهدة، مع عناوين مثيرة وروايات مخادعة أنكرها الطفل نفسه وأسرته ومنها مبادلته الحقيبة من أجل “ساندوتش لانشون”، وعلى المستوى المهني فهو سيناريو وعنوان كارثي وله أبعاد مخيفة ومضللة.
قلت في نفسي وأنا أتابع ربما حدث ذلك ليتبدل حال الأسرة، ويكون ما حدث ضرر حقق نفعا، ولكن لم يحدث ذلك، بل حدث الأكثر بشاعة ووجدت الجميع يستغل ظهور الطفل البسيط في الاستفادة من التريند سواء محال تجارية أو مطاعم أو برامج لا يشاهدها سوى أصحابها، ولكن كانت الطامة الكبرى عندما استضافته مدرسة دولية مع طلابها في يوم دراسي وقاموا بتصويره بشكل محرج خلال سؤاله باللغة الإنجليزية التي لا يجيدها الطفل، ثم أعادوه لبيئته مرة أخرى ليشعر بمرارة الفقر التي لم يكن يدركها جيدا قبل أن يرى حياة طلاب المدارس الدولية.
لم أجد مبررا لذلك ولكن أجد مخالفة دستورية صريحة فأين وزارة التربية والتعليم؟ وأين المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام من انتهاك حقوق طفل قاصر بهذا الشكل واستغلاله إعلاميا دون حماية خصوصيته؟ أين المجلس من استخدام أسرة بسيطة بهذا الشكل في صناعة التريند وإظهار مستواهم من الفقر والجهل بهذا الشكل الفج؟ والأولى بالسؤال عنه المجلس القومي للطفولة والأمومة.. هل مازال موجودا؟ أين السادة أعضاء مجلس النواب مما حدث؟ أليس طفل اللانشون كما سموه في السوشيال ميديا ضحية تستحق الدعم؟ فإن لم تقدم طلبات الإحاطة والاستجوابات من أجل هؤلاء فما فائدتها يا سادة؟
ورسالتي للمجتمع المدني، ألم ترصد لجان مؤسساتكم حال هذه الأسرة وأحلام هذا الطفل البريء؟ أليست هذه أسرة مستحقة لدراسة حالتها ودعمها؟ ختاما أتمنى من السيد محافظ المنيا التدخل العاجل بدراسة حالة الأسرة وتقديم الدعم اللازم، فمن بين صفوف الكادحين يخرج قادة المستقبل وبناة الأوطان.. رجاء اجلعوهم يشعرون بالأمان والانتماء لوطنهم.