ناهد جمال تكتب | أطفال على الهامش.. الصناعة الصامتة لجيل مهدد نفسيًا

0

في بيوت كثيرة فقدت توازنها، ينشأ أطفال يحاولون فهم العالم بأفكارمرتبكة. لا أحد يشرح لهم لماذا تغيّر كل شيء فجأة، ولا كيف يتعاملون مع غيابٍ لم يختاروه. هؤلاء الأطفال لا يلفتون الانتباه دائمًا، لكنهم يحملون داخلهم ثقلًا يفوق أعمارهم، ثقلًا يتشكل من فقدان الأمان، وارتباك المشاعر، والخوف من المجهول.
لم يعد التفكك الأسري مجرد حدث عابر في حياة بعض الأسر، بل أصبح واقعًا متكررًا يترك بصمته العميقة على تكوين الأطفال النفسي. فالطفل الذي ينشأ في بيئة غير مستقرة لا يفقد فقط أحد مصادر الرعاية، بل يفقد الإحساس الأساسي بالاحتواء. وقد يبدو ذلك في صورة صمتٍ طويل، أو غضبٍ مفاجئ، أو تراجعٍ دراسي لا يجد له تفسيرًا واضحًا. لكن خلف هذه السلوكيات، توجد حكاية لم تُسمع بعد.
في الأسر غير المكتملة، سواء بسبب الطلاق أو الوفاة أو الغياب العاطفي، يتعرض الطفل لنوع خاص من الفقد، ليس فقط فقد الشخص، بل فقد المعنى. يفقد الصورة المتوازنة للعائلة، ويبدأ في طرح أسئلة أكبر من عمره، أحيانًا دون إجابات. ومع غياب الدعم الكافي، تتحول هذه الأسئلة إلى مشاعر دفينة قد تتراكم حتى تصنع فجوة في شخصيته يصعب ردمها لاحقًا.
هنا تظهر أهمية الدعم النفسي بوصفه ضرورة لا يمكن تأجيلها. فالطفل لا يحتاج فقط إلى من يوفر له احتياجاته الأساسية، بل إلى من يساعده على فهم نفسه، والتعامل مع مشاعره، واستعادة إحساسه بالأمان. التدخل المبكر يمكن أن يغير مسار حياة كاملة، وأن يحول الألم إلى قدرة على التكيف، بدلًا من أن يتحول إلى عبء دائم.
لكن الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين الاحتياج وما هو متاح. فما زالت خدمات الدعم النفسي للأطفال محدودة، وما زالت النظرة المجتمعية للعلاج النفسي مشوبة بالكثير من الوصم. وبين هذا وذاك، يظل الطفل في منطقة وسطى، لا هو قادر على التعبير، ولا المجتمع قادر على الوصول إليه بسهولة.
المسؤولية هنا لا تقع على عاتق الأسرة وحدها، بل تمتد إلى المجتمع بكل مؤسساته. فالدور المطلوب ليس مجرد تدخل فردي، بل رؤية متكاملة تتوزع فيها الأدوار بين مؤسسات المجتمع المدني، والجهات الصحية، والمؤسسات التعليمية، والمرجعيات الدينية، بحيث يصبح دعم الطفل مسؤولية جماعية، لا استجابة طارئة.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى حلول واقعية تربط بين المعرفة والتطبيق. يمكن أن يتحول دعم الأطفال نفسيًا إلى مساحة عمل حقيقية لطلاب كليات الطب وعلم النفس، من خلال مشروعات تخرج تتعامل مع الواقع بشكل مباشر، عبر إنشاء وحدات دعم نفسي داخل المدارس أو مراكز الشباب، تقدم خدمات حقيقية تحت إشراف متخصصين. بهذا الشكل، لا يصبح التعليم معزولًا عن المجتمع، بل جزءًا من حل مشكلاته.
إن الاستثمار في الأطفال الذين يواجهون التفكك الأسري ليس عملًا إنسانيًا فقط، بل ضرورة مجتمعية. لأن هؤلاء الأطفال، إن لم يجدوا الدعم اليوم، قد يكبرون وهم يحملون آثار ما لم يُعالج، فتنعكس على علاقاتهم، وعلى قدرتهم على العمل، وعلى استقرارهم النفسي.
القضية ليست في وجود المشكلة، بل في طريقة التعامل معها. فإما أن نختار أن نراها بوضوح ونتحرك، أو نتركها تتراكم بصمت حتى تصبح أكثر تعقيدًا. وبين هذا وذاك، يبقى طفل ينتظر أن يشعر بأن هناك من يفهمه… قبل أن يفقد القدرة على الشرح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.