محمد هندي يكتب | هيبة واشنطن في مرمى النيران
لم تعد حوادث استهداف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجرد وقائع أمنية منفصلة، بل تحولت إلى سلسلة من الأحداث التي تثير أسئلة أعمق حول كفاءة المؤسسات الأمريكية، وصورة الولايات المتحدة الأمريكية أمام العالم. ومع تكرار هذه المحاولات، لم يعد السؤال فقط ماذا حدث، بل كيف حدث، ولماذا يتكرر، ومن المستفيد من ذلك.
أول هذه الأسئلة يتعلق بالبنية الأمنية نفسها. كيف يتمكن شخص مسلح من تجاوز دوائر الحماية المفترض أنها الأكثر تطورا في العالم! حماية الرئيس الأمريكي تقوم على طبقات من الرصد والاستخبارات وتأمين المواقع والتدخل السريع. لذلك فإن وصول أي مهاجم إلى دائرة الخطر لا يمكن اعتباره مجرد صدفة، بل يشير إلى خلل في تقدير التهديد، أو ثغرات في تأمين المكان، أو ضعف في التنسيق بين الأجهزة المختلفة. وتكرار مثل هذه الوقائع يطرح تساؤلا حول مدى كفاءة الإجراءات الأمنية الحالية، وما إذا كانت قادرة فعلا على منع هذه التهديدات المتكررة.
السؤال الثاني يتعلق بطريقة الاستجابة الميدانية. ففي بعض المشاهد التي انتشرت، بدا التعامل الأمني مرتبكا وفوضويا أكثر منه منضبطا ومحسوبا. ظهرت لحظات تدافع وتأخر في الإخلاء وتعثر للرئيس أمام الكاميرات. هذه التفاصيل ليست هامشية، لأن جوهر العمل الأمني في مثل هذه اللحظات هو السيطرة الكاملة على المشهد، لا فقط إنهاء الخطر. وعندما يبدو الأداء مرتبكا، فإن الرسالة التي تصل إلى الداخل والخارج هي أن المنظومة ليست محكمة كما يعتقد كثيرون.
ثم يبرز سؤال ثالث يتعلق بطريقة إدارة الإخلاء في اللحظات الحرجة. فقد بدا أن الأمن أسرع بإخراج نائب الرئيس أولا، ثم تحرك لاحقا نحو ترامب، بينما بقي الرئيس لثوان إضافية داخل نطاق الخطر. هذا المشهد يثير تساؤلات حول سرعة الاستجابة ودقة التحرك في موقف يفترض أن يحسم خلال ثوان معدودة، لأن الثواني في مثل هذه اللحظات ليست تفصيلا عابرا، بل مقياسا للجاهزية وسرعة القرار.
لكن مع كل حادثة جديدة، يظهر أيضا مسار آخر من الأسئلة، هو مسار نظرية المؤامرة. هل يمكن أن يكون ترامب نفسه أو دائرته السياسية وراء هذه الأحداث من أجل حصد التعاطف الشعبي وتعزيز صورة القائد الصامد؟ هذا السؤال يتكرر لأن التاريخ السياسي يعرف ظاهرة الالتفاف حول القائد بعد الأزمات. وبعد محاولة اغتياله في يوليو 2024، أظهر استطلاع مشترك بين شبكة “إيه بي سي نيوز” ومؤسسة “إيبسوس” ارتفاع النظرة الإيجابية لترامب إلى 40 بالمئة، وهو أعلى مستوى له خلال أربع سنوات، بعدما كانت في نطاق الثلاثينيات. كما أظهر استطلاع لشبكة “سي بي إس” أن 26 بالمئة من الناخبين أصبحوا أكثر ميلا لدعمه بعد الحادثة، بينما رصدت دراسة أكاديمية اتجاها واسعا نحو التعاطف معه على منصات التواصل.
لكن التأثير الأكبر يتجاوز الأمن الداخلي إلى صورة الدولة نفسها. فالولايات المتحدة الأمريكية تقدم نفسها بوصفها القوة الأعظم والأكثر تنظيما وقدرة على إدارة المخاطر. وعندما تظهر حماية رئيسها بهذا القدر من الارتباك، فإن الصورة الذهنية للدولة “العظمى” تهتز. الخصوم يرون في ذلك دليلا على تراجع الهيبة، والحلفاء قد يقرأونه كمؤشر على هشاشة غير متوقعة، بينما يرى الرأي العام العالمي تناقضا بين خطاب القوة ومشهد الفوضى أمام الكاميرات.
لذلك فإن هذه الحوادث لا تمس شخص الرئيس وحده، بل تمس أحد أهم أصول الولايات المتحدة، وهو سمعتها العالمية. وفي السياسة الدولية، قد يكون الضرر الذي يصيب الهيبة أعمق من الضرر الذي يصيب الأفراد.
في النهاية، لا تقاس قوة الدول بما تملكه من سلاح فقط، بل بقدرتها على حماية رمز السلطة والحفاظ على هيبة مؤسساتها في أصعب اللحظات. وما جرى لم يكن مجرد حادث عابر، بل مشهدا ترك وراءه أسئلة أكبر من الرصاص نفسه، أسئلة ستبقى مفتوحة ما لم تجد لها واشنطن إجابات مقنعة.