سعيد خاطر يكتب | هوية “حاسبات ومعلومات”
يشهد الاقتصاد العالمي تحولًا نحو اقتصاد المعرفة، حيث أصبحت البيانات والخوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي من أهم محركات النمو الاقتصادي والأمن القومي. وفي هذا السياق تبنت مصر سياسات طموحة ضمن رؤية مصر 2030 تستهدف التحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية وتعزيز الشمول المالي.ولتلبية هذه المتطلبات، توسعت الدولة بشكل كبير في إنشاء كليات الحاسبات والمعلومات، وتطوير مسمياتها إلى الحاسبات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب انتشار كليات علوم الحاسب في الجامعات الخاصة والأهلية والمعاهد العليا.ومع تجاوز عدد خريجي هذا القطاع أكثر من 106 آلاف خريج موزعين على نحو 92 كلية ومعهدًا في مختلف أنحاء الجمهورية، ظهرت فجوة تشريعية واضحة تتمثل في غياب كيان نقابي مهني مستقل ينظم مهن الحوسبة والمعلوماتية ويضع معايير ممارستها المهنية.
التطور التاريخي للتعليم الأكاديمي التكنولوجي ومفارقة الجمود التشريعي.
لفهم أبعاد الأزمة الحالية، يجب العودة إلى نشأة تعليم علوم الحاسب في مصر. فقد بدأت الانطلاقة المؤسسية منتصف التسعينيات، وتحديدًا في العام الدراسي 1995/1996، عندما أنشأت الدولة أولى كليات الحاسبات والمعلومات لمواكبة ثورة الاتصالات والمعلومات، مثلت هذه الكليات تحولًا في فلسفة التعليم العالي، حيث انفصلت علوم الحاسب عن كليات العلوم والهندسة لتصبح كيانات مستقلة تمنح درجات متخصصة في علوم الحاسب ونظم المعلومات وتكنولوجيا المعلومات.ومع تطور سوق العمل، تم في عام 2019 تعديل مسميات معظم هذه الكليات إلى “كليات الحاسبات والذكاء الاصطناعي” لتعكس مجالات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأمن السيبراني، كما شهد التعليم الخاص توسعًا كبيرًا في هذا المجال نظرًا للطلب المتزايد عالميًا على المتخصصين في البرمجيات.لكن هذا التطور الأكاديمي اصطدم بجمود تشريعي في الخريطة النقابية، التي تشكلت قبل ظهور صناعة البرمجيات كقطاع اقتصادي مستقل، ما أدى إلى دخول آلاف الخريجين سنويًا إلى سوق العمل دون إطار نقابي مهني يعكس طبيعة تخصصهم.
في محاولة لسد الفراغ التنظيمي، سعى خريجو كليات الحاسبات وعلوم الحاسب طوال العقدين الماضيين للحصول على مظلة نقابية من خلال الانضمام للكيانات الكبرى القائمة، تركزت هذه الجهود في مسارين رئيسيين: الانضمام لنقابة المهندسين، أو الانضمام لنقابة المهن العلمية، إلا أن كلا المسارين واجها معوقات تشريعية وأكاديمية عصية على الحل.صراع الهوية وموقف نقابة المهندسين المصريةلطالما سعى قطاع واسع من مبرمجي وعلماء البيانات في مصر للحصول على المسمى الوظيفي “مهندس برمجيات” (Software Engineer)، وهو مسمى معترف به عالميًا في شركات التكنولوجيا الكبرى وفي العديد من الدول. وقد دفع ذلك بعض خريجي كليات الحاسبات والمعلومات إلى المطالبة بالانضمام إلى نقابة المهندسين المصرية، إلا أن هذه المطالبات قوبلت برفض متكرر من مجالس النقابة.ويستند هذا الرفض إلى مبررات قانونية وأكاديمية، إذ تنص لوائح النقابة على قصر العضوية على خريجي كليات الهندسة والمعاهد الهندسية المعتمدة. وقد أوضح نقيب المهندسين أن المسألة لا تتعلق بدرجات القبول في الثانوية العامة، بل بطبيعة الدراسة والمقررات الأكاديمية.فبينما يدرس طلاب هندسة الحاسبات مواد هندسية مثل الفيزياء والدوائر الكهربائية وتصميمات الهاردوير، يركز طلاب كليات الحاسبات وعلوم الحاسب على الخوارزميات وهياكل البيانات وتطوير البرمجيات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وخلافه، ويعكس هذا الاختلاف طبيعة المخرجات التعليمية، حيث يميل التعليم الهندسي إلى الأنظمة الفيزيائية، بينما تركز علوم الحاسب على الأنظمة البرمجية غير الملموسة.ثانياً: التناقضات الهيكلية مع نقابة المهن العلميةأمام رفض نقابة المهندسين، حاولت الدولة حل المشكلة مؤقتًا عبر إدراج خريجي كليات الحاسبات والمعلومات ضمن شعبة “الرياضيات وعلوم الحاسب” في نقابة المهن العلمية، لكن هذا المسار واجه رفضًا واسعًا من الخريجين والجهات الأكاديمية.تتمثل أبرز المشاكل في التباين الأكاديمي، حيث تُصنف كليات العلوم ضمن العلوم الأساسية، بينما تُعد كليات الحاسبات والذكاء الاصطناعي علومًا تطبيقية، ما يجعل إدراجها تحت نقابة العلميين غير متوافق مع طبيعة تخصصها، كما أن حجة التبعية للرياضيات غير مقنعة، إذ تخصصات مثل الطب والهندسة والصيدلة تعتمد على العلوم الأساسية دون الانضمام لنقابة العلميين.إضافة إلى ذلك، الهيكل التنظيمي للشعبة مصمم أساسًا لخريجي كليات العلوم ولا يستوعب التخصصات الحديثة في الحاسبات مثل هندسة البرمجيات والأمن السيبراني وعلوم البيانات، فضلًا عن وجود فراغ قانوني، إذ صدر قانون نقابة المهن العلمية عام 1969، قبل إنشاء هذه الكليات، ما يجعل إدراج خريجيها إجراءً إداريًا بلا سند تشريعي صريح.