شيرين فتحي تكتب | 30 يونيو.. إرادة شعب

0

بعد أكثر من عقدٍ على ثورة الثلاثين من يونيو، لم تعد المسألة في حاجة إلى سردٍ تقليدي للأحداث، ولا إعادة تقديم لما يعرفه الجميع. فالثورات الحقيقية لا تُختزل في تواريخ، ولا تُقاس فقط بحشود خرجت إلى الشوارع، بل تُفهم من آثارها الممتدة، ومن التحولات التي أحدثتها في بنية الدولة ووعي المجتمع.

ثورة يونيو لم تكن لحظة غضب عابرة، بل كانت لحظة إدراك. إدراك شعبٍ أن الدولة على المحك، وأن المسار الذي تسير فيه قد يفضي إلى ما لا تُحمد عقباه. لذلك، جاء التحرك مختلفًا في دوافعه، ومغايرًا في طبيعته؛ لم يكن بحثًا عن تحسين ظرف، بل كان دفاعًا عن بقاء وطن.

ومع مرور السنوات، تتضح الصورة أكثر: ما حدث لم يكن فقط تغييرًا سياسيًا، بل إعادة تأسيس لفكرة الدولة الوطنية نفسها. دولة تقوم على مؤسسات، لا جماعات، وعلى هوية جامعة، لا انقسام. وهو ما انعكس لاحقًا في مسارات متعددة، من تثبيت أركان الاستقرار، إلى إطلاق مشروعات قومية كبرى، وإعادة بناء بنية تحتية كانت في أمسّ الحاجة إلى التطوير، وصولًا إلى استعادة ثقة المواطن في قدرة الدولة على الفعل.

اللافت أن هذه المرحلة لم تكن خالية من التحديات، بل ربما كانت من أثقل الفترات التي مرت بها الدولة المصرية. لكن الفارق كان في وجود إرادة سياسية واضحة، مدعومة بتفويض شعبي، قادرة على اتخاذ قرارات صعبة في توقيتات أكثر صعوبة، واضعةً في اعتبارها أن الحفاظ على الدولة يسبق أي اعتبارات أخرى.

وهنا، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته القيادة السياسية في تلك اللحظة الفارقة، حين انحازت لإرادة المصريين، وتحملت مسؤولية تاريخية في وقت كانت فيه المنطقة بأسرها تموج بالاضطرابات. لقد كان هذا الانحياز نقطة تحول، ليس فقط في مسار الأحداث، بل في إعادة صياغة العلاقة بين الشعب والدولة.

بعد اثني عشر عامًا، يمكن القول إن ثورة يونيو لم تكن مجرد “تصحيح مسار”، بل كانت إعادة تعريف له. فقد أعادت التأكيد على أن هذا الشعب، رغم كل التحديات، لا يزال قادرًا على حماية دولته، وأنه حين يشعر بالخطر، يتحرك بوحدةٍ نادرة، وبوعي يتجاوز اللحظة إلى ما هو أبعد منها.

إنها ليست ذكرى تُستعاد، بل تجربة مستمرة، ودليل متجدد على أن الأوطان التي تمتلك شعوبًا واعية، قادرة دائمًا على النهوض، مهما كانت التحديات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.