د.نانيس حامد تكتب | 30 يونيو.. الدولة التي اختارت الغد 

0

في حياة الأمم لا تكمن أهمية بعض الأيام في تاريخ وقوعها، بل في الأسئلة التي تظل تطرحها بعد مرور السنوات. فالأحداث الكبرى لا تكتفي بتغيير الواقع، وإنما تعيد صياغة طريقة التفكير فيه، وتفرض على الدولة أن تعيد تعريف أولوياتها كلما تبدلت ملامح العالم.ومن هذا المنطلق، تبدو ذكرى الثلاثين من يونيو مناسبة لتجاوز استدعاء المشهد إلى قراءة ما بعده؛ لأن التاريخ، مهما بلغت رمزيته، لا يعيش في الماضي وحده، بل يمتد أثره بقدر ما ينجح في تشكيل المستقبل.لقد تغير العالم بوتيرة لم تكن متوقعة قبل عقد من الزمن. لم تعد القوة تُختزل في الجيوش أو الموارد أو الموقع الجغرافي، بل أصبحت ترتبط بامتلاك المعرفة، وكفاءة المؤسسات، والقدرة على الابتكار، وسرعة اتخاذ القرار، والاستعداد لتحولات لا تزال في طور التشكل. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد السؤال: كيف نحافظ على الدولة؟ بل: كيف نجعلها أكثر قدرة على المنافسة في عالم يعيد كتابة قواعده كل يوم؟إن التحديات المعاصرة لا تمنح الدول رفاهية التوقف طويلًا أمام الماضي، مهما كان عظيمًا. فالذكاء الاصطناعي، والثورة الرقمية، والأمن السيبراني، والتحولات الاقتصادية، وتغير طبيعة سوق العمل، كلها ملفات أصبحت جزءًا من مفهوم الأمن الوطني بمفهومه الواسع. ومن ثم، فإن نجاح أي دولة لا يقاس فقط بقدرتها على تجاوز الأزمات، وإنما بقدرتها على استباقها.ولعل الفارق بين الدول التي تتقدم والدول التي تكتفي بالمحافظة على مواقعها، يكمن في طريقة النظر إلى الزمن. فهناك من يتعامل مع الحاضر باعتباره نهاية الطريق، بينما تنظر دول أخرى إلى الحاضر بوصفه نقطة انطلاق لما هو أبعد. وهنا يصبح التخطيط للمستقبل ثقافة مؤسسية، لا مجرد استجابة لظروف طارئة.إن بناء المستقبل لا يبدأ من الخرسانة وحدها، ولا يتوقف عند المشروعات الكبرى، على أهميتها، بل يمر أولًا عبر بناء الإنسان. فالعقول القادرة على التعلم، والإبداع، وإنتاج المعرفة، هي الاستثمار الذي لا يفقد قيمته مهما تغيرت الظروف. ولهذا، فإن التعليم، والبحث العلمي، وتمكين الشباب، وتعزيز ثقافة الابتكار، ليست ملفات خدمية منفصلة، وإنما ركائز أساسية لأي مشروع وطني يسعى إلى الاستمرار.وفي خضم هذا التحول العالمي، يصبح الحفاظ على الدولة مسؤولية متجددة، لا تُختزل في حماية الحدود أو صون المؤسسات فحسب، بل تمتد إلى حماية القدرة على التطور، وتجديد أدوات الإدارة، ومواكبة التحولات التي تفرضها التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة الدولية.إن قراءة الثلاثين من يونيو اليوم لا ينبغي أن تكون قراءة للماضي وحده، وإنما قراءة للمسؤولية التي يفرضها المستقبل. فالأمم التي تكتفي بالاحتفاء بمحطاتها التاريخية، دون أن تحولها إلى طاقة تدفعها إلى الأمام، تخاطر بأن تبقى أسيرة الإنجاز الذي تحقق، بدلًا من أن تبني على أساسه إنجازًا جديدًا.ويبقى الرهان الحقيقي، في النهاية، ليس على ما أنجزته الدول بالأمس، وإنما على قدرتها على الإجابة عن أسئلة الغد. فالتاريخ يمنح الشعوب لحظات فارقة، لكن المستقبل لا يمنح فرصه إلا لمن يستعد لها.وربما تكون هذه هي الرسالة الأعمق التي يمكن استلهامها اليوم: أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تجاوزته من تحديات، بل بما تملكه من رؤية، وما تستثمره في الإنسان، وما تبنيه من مؤسسات، وما تزرعه من أمل في الأجيال القادمة. فهناك لحظات تصنع التاريخ، وهناك لحظات يصنع فيها التاريخ مستقبلًا جديدًا… وما بينهما تبقى مسؤولية البناء هي الاختبار الحقيقي لكل وطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.