د.نحوي الهواري تكتب | 30 يونيو.. شعب استعاد وطنه
فِي حياةِ الأُممِ والشعوبِ لحظاتٌ فارقة، لا تُقاسُ بالأيامِ والساعات، بل تُقاسُ بمقدارِ ما تحمله من عِزةٍ، وكرامةٍ، وتغييرٍ لمجرى التاريخ. وتأتي ثورةُ الثلاثين من يونيو لتكونَ نقطةَ تحولٍ فاصلة بنضالِ هذا الشعبِ العظيم، والبرهانَ الواضحَ على أنَّ إرادةَ المصريين إذا استيقظت، لا يمكنُ لقوةٍ على وجه الأرض أن تقفَ في وجهها.لم تكن ثورةُ 30 يونيو مجردَ تظاهرة، بل كانت طوفاناً وطنياً جرفَ أمامه كلَّ محاولاتِ اختطافِ هويةِ مصر، وسرقةِ تاريخها وحاضرها ومستقبلها؛ فمن التحريرِ إلى القائدِ إبراهيم، ومن أسوانَ إلى الدلتا، تحولتْ شوارعُ وميادينُ مصرَ إلى بحارٍ من الأعلام الخفاقة، وهتفتِ الملايينُ بصوتٍ واحد: “تحيا مصر.. تحيا مصر بحريةٍ وكرامة”.لقد كانت هذه الثورةُ بمثابةِ لوحةٍ مصريةٍ خالصة، تلاحمَ فيها الشابُّ مع الشيخ، وكانتِ المرأةُ المصريةُ—كعادتها دائماً—في مقدمةِ الصفوفِ تحمي بيتها ووطنها بزغاريدِ النصر، ليعلنَ الميدانُ للعالمِ أجمع أننا أمام “شعبٌ استعاد وطنه” ورفضَ البديل.وفي غمرةِ هذا الغليانِ الشعبي، كان لا بد للإرادةِ أن تجدَ درعاً يحميها وسيفاً يقطعُ دابرَ الفتنة، وهنا تجسدتِ الملحمةُ الخالدةُ بانحيازِ الجيشِ المصري العظيم لإرادةِ الملايين، حيث وقفَ شامخاً ليقولَ للعالمِ إنَّ أمنَ مصرَ وشعبها “خط أحمر” ، مؤكداً أنَّ معادلةَ “الجيش والشعب” هي السرُّ المقدسُ لبقاءِ هذه الدولةِ سبعةَ آلافِ عامٍ عبر التاريخ.لقد كانت ثورةُ 30 يونيو بمثابةِ اللحظةِ التي استردتْ فيها مصرُ روحَها، وأثبتتْ للعالمِ أنَّ هذا الوطنَ يمرضُ ولكنه لا يموتُ أبداً. ومن رحمِ هذه الثورةِ ولدتْ معركةٌ أخرى لا تقلُّ شراسة، وهي معركةُ البناءِ والتنميةِ لتأسيسِ الجمهوريةِ الجديدة؛ من مدنٍ تطاولُ السحاب، ومشروعاتٍ قوميةٍ عملاقة تعيدُ رسمَ خريطةِ مصرَ الاقتصادية.إننا ونحن نحتفلُ بذكرى هذه الثورةِ المجيدة، نستلهمُ من روحِها الطاقةَ والعزيمةَ لبناءِ مستقبلٍ مشرقٍ لأبناءِ هذا الوطن. ولا يسعنا في احتفالنا بهذه الذكرى المجيدة إلا أن نوجهَ تحيةَ إجلالٍ وتقدير لشهداءِ الوطنِ الأبرار؛ من أبطالِ القواتِ المسلحةِ، والشرطةِ، والشعبِ الذين دفعوا دماءَهم ثمناً لنعيشَ في أمان، ولنثبتَ للعالمِ أجمع أنَّ هنا مصر ، وهنا ستبقى الهويةُ المصريةُ شامخةً إلى أبدِ الآبدين.