مؤمن صفوت عبدالله يكتب | ماذا لو انتصرت ألمانيا؟

0

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وسقوط برلين عام ‌‌1945‌‌، ظل سؤال واحد يثير فضول المؤرخين‌‌

وعشاق التاريخ البديل أكثر من أي سؤال آخر:

ماذا لو انتصرت ألمانيا النازية؟

ماذا لو نجح الهجوم على موسكو؟ ماذا لو تمكن العلماء الألمان من تطوير السلاح النووي قبل‌‌ الولايات المتحدة؟ كيف كان سيبدو العالم الذي نعيش فيه اليوم؟

بالطبع، لا توجد إجابة يقينية، لكن بالاعتماد على الوثائق والخطط التي تركها قادة الرايخ الثالث،‌‌ يمكن رسم تصور لما كان من الممكن أن يحدث.

جرمانيا… العاصمة التي أرادها هتلر لم يكن هتلر يرى برلين مجرد عاصمة لألمانيا، بل كان يطمح لتحويلها إلى مدينة جديدة تحمل اسم‌‌

جرمانيا (‌‌Germania‌‌)، لتصبح مركز الإمبراطورية النازية.

وضع المهندس ألبرت شبير تصميماً لمدينة ضخمة تضم مباني حكومية عملاقة وشوارع واسعة‌‌ للغاية، وعلى رأسها “قاعة الشعب” التي كان من المخطط أن تستوعب نحو ‌‌180‌‌ ألف شخص تحت‌‌ قبة هائلة، في مشروع يعكس فكرة القوة المطلقة أكثر مما يعكس احتياجات البشر.

عالم مقسم بين القوى المنتصرة إذا نجح المحور في حسم الحرب، فمن المرجح أن يعاد رسم خريطة العالم بالكامل

في أوروبا، كانت ألمانيا تسعى إلى إنشاء ما أسمته “المجال الحيوي” (‌‌Lebensraum‌‌)، وهو مشروع‌‌ يقوم على توسيع الأراضي الألمانية شرقاً، مع تهجير أو استعباد أو القضاء على أعداد كبيرة من‌‌ السكان الأصليين لإفساح المجال أمام المستوطنين الألمان.

أما إفريقيا، فكان من المتوقع أن تتحول إلى مصدر دائم للمواد الخام والثروات الطبيعية لخدمة‌‌ الاقتصاد الألماني.

وفي آسيا، كانت اليابان تخطط لفرض سيطرتها على شرق القارة تحت شعار “منطقة الرخاء المشترك‌‌ لشرق آسيا الكبرى”، بينما تشير التجارب التاريخية في الأراضي التي احتلتها إلى أن هذا المشروع‌‌ كان سيعتمد على الاحتلال العسكري والاستغلال الاقتصادي.

أما الولايات المتحدة، فتختلف التصورات بشأن مصيرها؛ فبعض سيناريوهات التاريخ البديل تتخيل‌‌ استمرارها كقوة منافسة لألمانيا في حرب باردة طويلة، بينما تتخيل أعمال أدبية أخرى، مثل رواية‌‌ The Man in the High Castle‌‌، تقسيمها بين ألمانيا واليابان.

كيف ستكون الحياة اليومية؟

في مثل هذا العالم، كان من المرجح أن يقوم المجتمع على نظام طبقي شديد الصرامة، بحيث تمنح‌‌ الامتيازات الكاملة لمن تعتبرهم الأيديولوجية النازية من “العرق الآري”، بينما تُفرض قيود واسعة‌‌ على بقية الشعوب في مجالات التعليم والعمل والحقوق المدنية.

كما أن برامج ما عُرف بـ”النقاء العرقي”، التي بدأ النظام النازي بالفعل في تنفيذ أجزاء منها أثناء‌‌ الحرب، ربما كانت ستتوسع لتشمل فئات أكبر من المرضى وذوي الإعاقة وغيرهم، في إطار سياسات‌‌ تقوم على التمييز والإقصاء.

وكان التعليم والإعلام سيخضعان لرقابة كاملة، مع تنشئة الأطفال على الولاء المطلق للدولة والحزب،‌‌ بينما تتحول السينما والكتب والفنون إلى أدوات دعائية تخدم السلطة، ويصبح أي رأي مخالف عرضة‌‌

للقمع.

التقدم العلمي… ولكن بأي ثمن؟

قد يشهد هذا العالم تقدماً سريعاً في مجالات مثل الصواريخ والهندسة العسكرية وبعض التقنيات‌‌ الطبية، إلا أن هذا التقدم كان سيأتي على حساب المبادئ الإنسانية، في ظل الاعتماد على التجارب‌‌ القسرية وانعدام الضوابط الأخلاقية. وفي المقابل، من المرجح أن تتراجع حرية الفكر والإبداع، لأن الأنظمة الشمولية غالباً ما تنظر إلى‌‌ الاختلاف باعتباره تهديداً يجب القضاء عليه.

هل كان هذا النظام سيستمر؟

رغم القوة العسكرية التي كانت ستتمتع بها ألمانيا، يرى عدد من المؤرخين أن بقاء مثل هذا النظام‌‌ لعقود طويلة لم يكن أمراً مضموناً.

فالدول التي تعتمد على التوسع العسكري المستمر والقمع الداخلي تواجه عادة تحديات كبيرة، مثل‌‌ الصراعات على السلطة بعد رحيل القادة، والمقاومة الشعبية في الأراضي المحتلة، والأزمات‌‌ الاقتصادية الناتجة عن الحروب الطويلة.

ولهذا، يعتقد كثير من الباحثين أن الرايخ، حتى لو حقق انتصاراً عسكرياً، كان سيواجه في النهاية‌‌ أزمات داخلية قد تهدد استمراره.

و يبقى كل ما سبق مجرد سيناريو افتراضي ضمن إطار التاريخ البديل، وليس وصفاً لما كان سيحدث‌‌ حتماً.

لكن التفكير في مثل هذه السيناريوهات يذكرنا بحجم الكارثة التي كانت ستواجهها البشرية لو‌‌ انتصرت إحدى أكثر الأنظمة شمولية وعنصرية في التاريخ، ويؤكد أن نهاية الحرب العالمية الثانية لم‌‌ تغيّر حدود الدول فقط، بل غيّرت أيضاً مستقبل العالم بأكمله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.