أحمد فكري زلط  يكتب | الانفصال النفسي في بيئات العمل

0

في أدبيات إدارة الأزمات الحديثة، ترقب القيادات دائماً المؤشرات الصاخبة؛ كتقديم الاستقالات الجماعية أو تراجع الأرقام المفاجئ. لكن الشفرة الحقيقية للأزمات تكمن في الزوايا المظلمة التي تدار في صمت تام، ولعل أخطرها هو ما اصطلح على تسميته عالمياً بـ “الانسحاب الصامت” (Quiet Quitting)، أو عقدة الانفصال النفسي للموظف عن بيئته المؤسسية.

إنها تلك اللحظة الخادعة التي تبدو فيها المكاتب منضبطة بالمسطرة، والتقارير تُرفع في مواعيدها، لكن خلف هذا “الوهم” الإداري تقبع حقيقة مرعبة: وهي أن عقول الموظفين، شغفهم، وطاقاتهم الإبداعية قد استقالت بالفعل، ولم يتبقَ في المكاتب سوى حضور جسدي شبحي!

عَرَض لمرض.. وليس خطأ موظف

تثبت الأبحاث العالمية أن الموظف “المنسحب صامتاً” ليس كَسولاً بطبعه، بل غالباً ما يكون هو ذلك الشخص الذي دخل المؤسسة يشع طاقة ونشاطاً. لكن الأزمة تبدأ عندما يصطدم هذا الشغف بـ “بيئة عمل صماء” ترى في المبادرة نوعاً من المشاكسة؛ فيضطر الموظف -كآلية دفاعية- إلى تجميد عقله والوصول إلى “الامتثال البارد”. ومن هنا ندرك أن الانسحاب الصامت هو “عَرَض لمرض إداري” يثبت تضرر قنوات التواصل والأمان النفسي.

بؤرة الأزمة: هدر اقتصادي غير مرئي

تتكبد المؤسسات خسائر فادحة بسبب هذا النزيف غير المرئي، ويمكننا رصد أبعاد هذه الأزمة في أربعة مظاهر أساسية:

1. العمل بمقدار الكتالوج: تنفيذ الحد الأدنى من الوصف الوظيفي دون مبادرة أو رغبة في التطوير، تجنباً لتحمل عواقب الخطأ بمفرده.

2. برود الغيرة المؤسسية: فقدان الموظف شعور “الملكية تجاه المكان”، لتتحول العلاقة إلى مجرد رابط تعاقدي جاف ينتهي بانتهاء ساعات العمل.

3. عدوى الصمت: عندما تكافئ الثقافة السائدة “الطاعة العمياء” والتقارير الوردية على حساب الابتكار، تنتقل شفرة “اعمل ما يُطلب منك فقط” كعدوى بين الموظفين.

4. هجرة الكفاءات: تحول البيئة إلى مساحة طاردة للطاقات الإيجابية التي لا تتحمل المياه الراكدة؛ فإما أن تغادر فوراً أو ينطفئ بريقها.

ختاماً.. وإلى صناع القرار:

الاستقالة المكتوبة تمنحك فرصة لضخ دماء جديدة، أما “الانسحاب الصامت” فهو خسارة مزدوجة؛ لأنك تدفع التكلفة التشغيلية لموظف خسرت طاقته وعقله بالفعل. إن الأزمات الكبرى لا تهدم الجدران فجأة، بل تأكل الأساسات في صمت.

إن الإدارة الذكية هي من لا تستسلم لوهم الهدوء الإداري، بل تبحث بنشاط عن أسباب خفوت أصوات الكفاءات، وتعمل على ترميم منظومة الأمان النفسي وإعادة بناء الثقة؛ ففي معركة استدامة الكيانات وبناء الجمهورية الجديدة، لا توجد رفاهية لإهدار رأس المال البشري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.