د. نورهان سامي موسي تكتب | مصر في قلب العاصفة
ما يجري اليوم بين ايران من جهة، والولايات المتحدة و إسرائيل من جهة أخرى، لا
يمكن فهمه باعتباره حربًا تقليدية لها جبهات واضحة وخطوط تماس معلنة، بل هو
أقرب إلى حالة “اشتباك مستمر”يعاد تشكيله يوميًا وفق حسابات دقيقة، حيث تختلط
العمليات العسكرية المحدودة بالرسائل السياسية، وتتحول الضربات إلى لغة تفاوض
غير مباشر. في هذا السياق، تبدو الأهداف التي تُضرب اليوم وكأنها متناثرة، لكنها في
الحقيقة تخضع لمنطق صارم: ليس الهدف إسقاط الخصم، بل إعادة ضبط حدوده.
فالضربات التي تطال مواقع عسكرية أو مخازن أسلحة أو قيادات ميدانية ليست مجرد
عمليات تكتيكية، بل هي محاولة منهجية لتفكيك ما يُعرف بالعمق الاستراتيجي
الإيراني خارج حدوده. الفكرة الأساسية هنا أن المواجهة لم تعد تُدار داخل الجغرافيا
الوطنية للدول، بل في المساحات الرمادية الممتدة عبر الإقليم. لذلك، فإن استهداف
خطوط الإمداد أو مراكز النفوذ في ساحات مثل سوريا أو غيرها لا يُقرأ كفعل عدائي
معزول، بل كجزء من سياسة احتواء طويلة المدى تهدف إلى تقليص قدرة إيران على
المناورة دون دفعها إلى رد شامل. وبالتوازي، تأتي الضربات الموجهة ضد المنشآت
الحساسة، خصوصًا تلك المرتبطة بالتكنولوجيا العسكرية أو البرنامج النووي، لتؤدي
وظيفة مزدوجة: إبطاء التقدم التقني، وإبقاء التهديد قائمًا دون انفجار.
هذا النمط من الصراع يخلق حالة دقيقة من التوازن القلق؛ حيث يتعايش الردع مع
الاستفزاز، وتتحرك الأطراف على حافة مواجهة لا يريدها أحد، لكنها تظل احتمالًا
قائمًا بفعل خطأ في التقدير أو مبالغة في الرد. ومن هنا، فإن أخطر ما في المشهد ليس
نية الحرب، بل إمكانية الانزلاق إليها.
وسط هذا التعقيد، يبرز السؤال العربي، وتحديدًا السؤال المتعلق بمصر: لماذا يُنتظر
منها دائمًا ما لم تجده هي من غيرها في أوقات أزماتها؟ هذا السؤال لا يمكن الإجابة
عنه بمنطق أخلاقي بسيط قائم على فكرة “المعاملة بالمثل”، لأن العلاقات بين الدول لا
تُدار بهذه القاعدة، بل بمنطق الوزن والوظيفة.
مصر، بحكم موقعها وتاريخها وتركيبتها، لا تُعامل في الإقليم كدولة من بين دول، بل
كحالة خاصة. هي ليست فقط دولة ذات ثقل سكاني أو عسكري، بل عقدة جغرافية
وسياسية تمسك بخيوط شديدة الحساسية: من قناة السويس التي تمثل شريانًا