د. سماح شوقي تكتب | النقل غير الرسمي

0

  تُعدّ ظاهرة التوك توك إحدى أبرز الإشكاليات المرتبطة بقطاع النقل غير الرسمي في مصر، حيث أدى انتشاره العشوائي خلال السنوات الماضية إلى بروز تحديات مرورية وأمنية واجتماعية متعددة، جعلته محل جدل دائم بين مطالب المنع الكامل ودعوات الإبقاء عليه كوسيلة نقل تخدم شرائح واسعة من المواطنين. غير أن التجارب الواقعية تؤكد أن الحلول الجذرية لا تتحقق عبر الإقصاء أو المنع المطلق، وإنما من خلال تبنّي رؤية مؤسسية شاملة تقوم على التنظيم والتطوير.وفي هذا الإطار، تبرز أهمية دور الدولة، وتحديداً وزارة النقل، بوصفها الجهة المعنية بإدارة منظومة النقل، في قيادة مسار إصلاحي يحوّل التوك توك من مشكلة عشوائية إلى مشروع وطني مُنظم يخضع لإشراف ورقابة مؤسسية واضحة، بما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن والتنمية، والحفاظ على مصادر الدخل لآلاف العاملين في هذا القطاع.يمكن أن يبدأ هذا المسار عبر إنشاء شركة وطنية متخصصة تعمل وفق نموذج شركات النقل الذكي تتولى تنظيم تشغيل التوك توك على مستوى الجمهورية. وتشمل مهام هذه الشركة إنشاء قاعدة بيانات متكاملة للسائقين والمركبات، ووضع ضوابط واضحة للتشغيل والتسعير، وتحديد سن قانوني لمزاولة المهنة، مع منع قيادة أو ركوب الأطفال أو غير المؤهلين، واشتراط اجتياز اختبارات قيادة معتمدة قبل السماح بالعمل.كما يمثل الربط بين التوك توك ومنظومة التحول الرقمي ركيزة أساسية في أي حل مستدام، من خلال الاعتماد على أنظمة إلكترونية في التسجيل والمتابعة والرقابة، بما يسهم في تعزيز مستويات الأمان، والحد من المخالفات، وتحقيق قدر أعلى من الشفافية والانضباط.ومن ناحية أخرى، فإن تنظيم مسارات التشغيل يُعد عنصراً حاسماً في معالجة الأزمة، عبر تخصيص نطاقات جغرافية محددة لعمل التوك توك، ومنعه من السير داخل المدن المركزية والمناطق السياحية والمناطق ذات الكثافة المرورية المرتفعة، مع قصر تشغيله على الشوارع الجانبية والضيقة والمناطق الطرفية التي لا تغطيها وسائل النقل العامة بشكل كافٍ.ولا يقل عن ذلك أهمية تعزيز الرقابة المجتمعية، من خلال إنشاء خط ساخن تابع لوزارة النقل لتلقي شكاوى المواطنين، ومتابعة المخالفات، وضمان الالتزام بالضوابط المقررة، بما يعزز الثقة بين المواطن والدولة، ويُرسخ مبدأ المشاركة المجتمعية في ضبط منظومة النقل.وفي إطار التقنين والتحجيم، يصبح من الضروري تطبيق سياسة تدريجية تقوم على تقنين أوضاع التوك توك الملتزم بالقانون، وتقليص الأعداد غير المرخصة، وسحب المركبات المخالفة بشكل منظم، بما يمنع تفاقم المشكلة دون الإضرار المفاجئ بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للعاملين في هذا القطاع.وأخيراً، إن حل مشكلة التوك توك لا يكمن في قرارات المنع وحدها، وإنما في تبنّي نموذج إصلاحي متكامل يقوم على التنظيم المؤسسي، والتحول الرقمي، وتحديد نطاقات التشغيل، والتقنين التدريجي، وهو ما يتيح تحويل التوك توك من عبء مجتمعي إلى عنصر منظم وفعّال يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ويعكس قدرة الدولة على إدارة التحديات المعقدة برؤية عقلانية ومتوازنة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.