كيرلس حبيب يكتب | ثروة مصر غير المرئية

0

البترول الذي صنع ثروات دول خلال القرن الماضي، قد لا يكون هو الثروة التي تحدد قوة الدول في القرن القادم.

قد يبدو الأمر غريبًا، لكن العالم يتغير بسرعة، ومعه تتغير معايير القوة. فإلى جانب البترول والغاز والذهب والأراضي والموانئ، ظهرت ثروة جديدة لا تحتاج إلى آبار أو مناجم، ولا يمكن رؤيتها بالعين.

إنها البيانات.

كل حركة نقوم بها تنتج بيانات؛ كل عملية شراء، وكل حجز، وكل رحلة، وكل معاملة مصرفية، وكل استخدام لخدمة حكومية، وكل عملية إنتاج في مصنع. ومع التطور السريع للذكاء الاصطناعي، لم تعد البيانات مجرد معلومات يتم تخزينها، وإنما أصبحت مادة خام يمكن تحويلها إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار، والقرار إلى قيمة اقتصادية وقوة للدولة.

وهنا أعتقد أن السؤال الذي يجب أن نبدأ في طرحه في مصر ليس: كم عدد البيانات التي نمتلكها؟ وإنما: ماذا نفعل بهذه البيانات؟

مصر لا تعاني من نقص البيانات

إذا نظرنا إلى حجم الدولة المصرية، سنجد أننا نمتلك بيانات ضخمة في السياحة والنقل والصناعة والزراعة والطاقة والتعليم والصحة والتجارة وسوق العمل وغيرها.

لكن المشكلة في رأيي ليست في كمية البيانات، وإنما في قدرتنا على ربطها وتحليلها والاستفادة منها في الوقت المناسب. فقد تمتلك كل جهة بيانات شديدة الأهمية، لكن إذا ظلت هذه البيانات في جزر منفصلة، فلن نستفيد من قيمتها الحقيقية.

ولهذا فإن المرحلة القادمة لا يجب أن تكون فقط مرحلة جمع البيانات، وإنما مرحلة إدارة البيانات وتحويلها إلى معرفة تساعد على اتخاذ القرار.

عندما تتحول البيانات إلى قرار

خذوا قطاع السياحة كمثال.

لا يكفي أن نعرف عدد السائحين الذين وصلوا إلى مصر أو جنسياتهم أو عدد الليالي التي قضوها. ماذا لو عرفنا بصورة أكثر دقة لماذا اختار السائح مصر؟ ماذا بحث عنه قبل وصوله؟ أين أنفق أمواله؟ ما الذي أعجبه؟ ما الذي لم يعجبه؟ وما الذي يمكن أن يجعله يعود مرة أخرى؟

عندها لن تكون البيانات مجرد إحصائية نعلنها في نهاية العام، وإنما ستصبح أداة لصناعة المنتج السياحي نفسه.

والأمر لا يختلف في الزراعة أو الصناعة أو النقل أو سوق العمل. ماذا لو استطعنا معرفة الوظائف التي سيحتاجها السوق بعد خمس سنوات، فنبدأ تدريب شبابنا عليها قبل ظهور الفجوة؟ ماذا لو استطعنا اكتشاف مناطق الاختناق المروري قبل أن تتحول إلى أزمة؟ وماذا لو أصبحت البيانات جزءًا أساسيًا من التخطيط للاستثمار والإنتاج والخدمات؟

هنا تتحول الدولة من مجرد التعامل مع المشكلة بعد حدوثها إلى دولة أكثر قدرة على التنبؤ والاستعداد.

وهنا يأتي الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي لم يجعل البيانات مهمة، فالبيانات كانت مهمة بالفعل، لكنه جعل قيمتها أكبر، لأنه أصبح قادرًا على تحليل كميات ضخمة منها واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب على الإنسان الوصول إليها بالسرعة نفسها.

ومصر بدأت بالفعل خطوات مهمة في هذا الاتجاه من خلال الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025–2030، التي تتضمن محاور للحوكمة والبيانات والبنية التحتية والمهارات ودعم الابتكار.

لكن التحدي الآن ليس أن نضع استراتيجية أخرى، وإنما أن نحول ما بدأناه إلى تطبيقات ونتائج يشعر بها المواطن والاقتصاد.

فالقيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي ليست في امتلاك أحدث الأدوات، وإنما في قدرتنا على استخدامها لحل مشكلة حقيقية، أو تحسين خدمة، أو خفض تكلفة، أو دعم قرار.

وفي رأيي، هنا تبدأ النقلة الأهم: أن ننتقل من استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة منفصلة إلى استخدامه كجزء من منظومة صناعة القرار.

لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي

وهنا نصل إلى العنصر الذي قد يكون أهم من التكنولوجيا نفسها: الإنسان.

فالبيانات لا تحلل نفسها، والذكاء الاصطناعي لا يصنع قيمة من تلقاء نفسه. نحن بحاجة إلى عقول قادرة على فهم البيانات، وطرح الأسئلة الصحيحة، وقراءة النتائج، وتحويلها إلى حلول.

ومن هنا يأتي دور الجامعات والبحث العلمي.

لدينا في الجامعات المصرية آلاف الرسائل العلمية والأبحاث التي تناقش مشكلات حقيقية في السياحة والصناعة والزراعة والإدارة والاقتصاد وغيرها، لكن كثيرًا منها ينتهي بانتهاء المناقشة، رغم أن جزءًا كبيرًا منها يمكن أن يقدم حلولًا قابلة للتطبيق.

لماذا لا نربط نتائج الدراسات الجادة باحتياجات الدولة والقطاع الخاص؟ ولماذا لا يتم تجميع الدراسات التي تناولت مشكلة معينة، واستخلاص ما يمكن تطبيقه منها، ثم تحويله إلى توصيات تصل إلى صانع القرار؟

نحن لا نحتاج فقط إلى بحث علمي أكثر.

نحتاج إلى بحث علمي يصل إلى القرار.

وهنا يمكن أن تلتقي البيانات والجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص والحكومة في منظومة واحدة، بحيث لا تبقى المعرفة داخل الكتب والرسائل العلمية، وإنما تتحول إلى سياسات وحلول ومشروعات.

الخطر الأكبر.. أن نمتلك البيانات ويملك غيرنا القيمة

هذه ربما تكون النقطة الأخطر في الموضوع كله.

قد تمتلك مصر البيانات، لكن إذا كانت أدوات تحليلها والخبرات التي تحولها إلى منتجات وخدمات موجودة في الخارج، فنحن نمتلك المادة الخام بينما يحصل غيرنا على القيمة المضافة.

لذلك لا يجب أن يكون هدفنا مجرد امتلاك البيانات، وإنما امتلاك جزء أكبر من سلسلة القيمة كاملة:

البيانات، ثم التحليل، ثم الذكاء الاصطناعي، ثم الحلول، ثم الشركات والمنتجات، ثم التصدير.

وهنا تظهر فرصة كبيرة أمام الشباب المصري والشركات الناشئة.

فلماذا لا تتحول بعض مشكلاتنا الوطنية إلى فرص لابتكار حلول مصرية؟ ولماذا لا تصبح السياحة والزراعة والنقل والصناعة مجالات لتطوير شركات تكنولوجية مصرية قادرة على إنتاج حلول محلية ثم تصديرها؟

نحن لا نريد أن نكون مجرد مستهلكين للتكنولوجيا.

نريد أن نكون جزءًا من صناعتها.

وبين الابتكار والحماية.. معادلة لا تحتمل الخطأ

كلما زادت قيمة البيانات، زادت مسؤولية حمايتها.

بيانات المواطنين ليست سلعة، والخصوصية ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه، والأمن القومي يجب أن يكون حاضرًا في كل خطوة.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن تكون الحماية سببًا في تعطيل الاستفادة من البيانات.

نحن لا نحتاج إلى بيانات مفتوحة بلا ضوابط، ولا إلى بيانات مغلقة لا يستفيد منها أحد.

نحتاج إلى بيانات محمية، ولكن قابلة للاستخدام المسؤول، وفق قواعد واضحة تحدد من يستطيع الوصول إليها، وكيف تستخدم، وكيف تحمى.

ماذا نحتاج؟

في رأيي، هناك خمسة مسارات يجب أن تحظى بالأولوية:

أولًا: حوكمة البيانات: استكمال بناء منظومة واضحة لجمع البيانات وتصنيفها وحمايتها ومشاركتها واستخدامها، مع الحفاظ على الخصوصية ومتطلبات الأمن القومي.

ثانيًا: تكامل البيانات: تطوير التكامل بين قواعد البيانات الحكومية، وفق الضوابط القانونية والأمنية، حتى تستطيع الجهات المختلفة الاستفادة من البيانات في التخطيط وصناعة القرار.

ثالثًا: تحويل البحث العلمي إلى قيمة: إنشاء آلية تربط الدراسات والرسائل العلمية التطبيقية باحتياجات الدولة والقطاع الخاص، وتحول نتائجها إلى توصيات وحلول قابلة للتنفيذ.

رابعًا: دعم الاقتصاد القائم على البيانات: تمكين الشركات الناشئة والمبتكرين من تطوير حلول مصرية في مجالات مثل السياحة والزراعة والصناعة والنقل والطاقة، والاستفادة من هذه الحلول ليس محليًا فقط، وإنما كمنتجات قابلة للتصدير.

خامسًا: الاستثمار في الإنسان: التوسع في تأهيل الشباب في تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية، لأن امتلاك التكنولوجيا دون امتلاك العقول القادرة على استخدامها لن يصنع الفارق.

في النهاية

لا أعتقد أن البيانات ستحل محل البترول، فالبترول سيظل موردًا استراتيجيًا مهمًا لسنوات طويلة.

لكن المقارنة ليست حرفية.

الثروة في المستقبل لن تكون فقط فيما نملكه، وإنما فيما نستطيع أن نعرفه ونحلله ونبني عليه.

ومصر لديها فرصة حقيقية. لدينا دولة كبيرة، وسوق ضخم، وشباب، وجامعات، ومؤسسات، وبنية رقمية تتطور، وكم هائل من البيانات.

لكن هذه البيانات لن تصبح ثروة من تلقاء نفسها.

البترول الخام لا يصنع ثروة إلا بعد استخراجه وتكريره، والبيانات لا تصنع قوة إلا بعد تنظيمها وتحليلها وتحويلها إلى قرار.

ولهذا فالسؤال الحقيقي ليس من يملك البيانات.

السؤال الحقيقي هو: من يملك القدرة على تحويلها إلى قوة؟

وأعتقد أن مصر يجب أن تبدأ من الآن في الإجابة عن هذا السؤال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.