محمود المناعي يكتب | العنف المجتمعي والفكر التنويري

0

في زمن تكثر فيه مشاهد القتل والحوادث المأساوية التي تهز المجتمع المصري، تتصاعد التساؤلات حول الأسباب العميقة لهذه الظاهرة. هل هي مجرد حالات فردية، أم أنها أعراض لمشكلات عضوية تحتاج إلى علاج جذري؟ ربما يكون العودة إلى فكر الرواد التنويريين الذين سبقوا عصرنا بأجيال هو الطريق لفهم أعمق، ولرسم خريطة إصلاح لا تكتفي بمعالجة الأعراض، بل تستهدف الجذور.

لعل أحمد أمين، ذلك المفكر الذي يعد في نظر بعض الباحثين المؤسس الأول للوعي الاجتماعي في الأدب العربي الحديث، قد وضع يده على جوهر الأزمة عندما جعل من “المنهج الاجتماعي” أداة لفهم المجتمع والأدب معاً. لم يكن همّه مجرد نقد نص أدبي، بل فهم الظروف الاجتماعية والبيئية التي تنتج سلوكيات معينة. فالعنف المجتمعي في نظره لم يكن ظاهرة طارئة، بل نتاجاً لبيئة متكاملة تسودها عادات وتقاليد متوارثة، ونظام تعليمي يعتمد على التلقين لا على التفكير النقدي، وغياب للوعي بحقوق الآخر وكرامته. لقد أسس أحمد أمين لرؤية تبحث في العلاقة الجدلية بين الفرد والمجتمع، بين النص والواقع، بين المبدع والبيئة التي يعيش فيها. هذه الرؤية تدعونا إلى قراءة ظاهرة العنف اليوم ليس كأحداث منعزلة، بل كنتياج لظروف اجتماعية وثقافية معقدة، يمكن فهمها وتغييرها بالمعرفة والوعي النقدي.

وهذا يقودنا مباشرة إلى عباس محمود العقاد، ذلك العملاق الفكري الذي تجاوز في تحليله الشكل إلى الجوهر، وأدخل في دراساته الأدبية والنفسية أبعاداً اجتماعية عميقة. لقد آمن العقاد بأن تحليل الظواهر الإنسانية لا يكتمل دون الغوص في أعماق النفس البشرية وفهم الدوافع الخفية وراء السلوك. كان العقاد يرى أن السلوك العنيف غالباً ما يكون تعبيراً مشوهاً عن أزمات نفسية واجتماعية أعمق، تحتاج إلى فهم وعلاج لا إلى إدانة وإهمال. فالفرد الذي يعيش في بيئة تفتقر إلى العدالة، ويشعر بالتهميش والإحباط، قد يلجأ إلى العنف كوسيلة وحيدة للتعبير عن صوته المكبوت. منهج العقاد الذي يركز على “التحليل النفسي للشخصية” يذكرنا بأننا لن نعالج العنف المجتمعي بمجرد تشديد العقوبات، بل بفهم الأسباب النفسية والاجتماعية التي تدفع الإنسان إلى ارتكاب الجريمة، وبخلق بيئة تشعر الفرد بأنه مرئي ومسموع ومحترم.

إن هذه الرؤية النفسية الاجتماعية التي قدمها العقاد تتكامل مع ما طرحه طه حسين، عميد الأدب العربي، الذي جعل من تجربته الشخصية ومنجزه الفكري معركة ضد التخلف والجمود الفكري. طه حسين، الذي نشأ في قرية فقيرة بالصعيد وفقد بصره في طفولته، أدرك عن كثب معاناة البسطاء وآلام المهمشين. لم يكن مشروعه التنويري مجرد دعوة نظرية، بل كان تجربة حياتية عاشها وعبر عنها في أعماله الأدبية والفكرية. في روايته “دعاء الكروان”، التي تعكس تأثراً عميقاً بذاكرة القرية وجلساتها المسائية التي شكلت وعيه، نجد صورة أخرى للمجتمع المصري بطبقاته وتناقضاته. لقد طرح طه حسين أسئلته الجريئة التي قاوم من خلالها الرجعية والتزمت، داعياً إلى التنوير والحداثة وعدم الانكفاء على أمجاد الماضي. كان سؤاله الأساسي هو سؤال التنوير بين جدل الوافد والموروث، وكان يؤمن بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الوعي بالواقع ومن ثم محاولة فهمه وتجاوزه. وفي سياق العنف المجتمعي، كان طه حسين يرى أن العنف يزدهر في بيئات الجهل والتخلف الفكري، حيث تُقمع الأسئلة وتُهمش العقول، وحيث يُستبدل الحوار بالصراع، والتفكير بالانقياد.

وفي منحنى مختلف لكن مكمل، نجد مصطفى عبد الرازق، ذلك الفيلسوف والمفكر الأزهري، الذي قدم نموذجاً فريداً في التوفيق بين الأصالة والمعاصرة. كان عبد الرازق يرى أن المجتمع المصري يعاني من أزمة أخلاقية عميقة تنعكس في كافة مناحي الحياة، وأن معالجة هذه الأزمة تتطلب مشروعاً تربوياً وأخلاقياً شاملاً لا يقل أهمية عن أي مشروع اقتصادي أو سياسي. كان يؤمن بأن القيم الأخلاقية ليست مجرد كلمات في الكتب، بل سلوكيات تُمارس في الحياة اليومية، وأن غيابها يخلق فراغاً أخلاقياً يسهل فيه انتشار العنف والعدوان. لقد دعا عبد الرازق إلى تجديد الخطاب الديني والثقافي بما يتناسب مع متطلبات العصر، وإلى إعادة بناء الضمير الجمعي للمجتمع على أسس من التسامح والعدل والكرامة الإنسانية. هذا المشروع الأخلاقي، الذي طرحه عبد الرازق، يظل اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، في مجتمع يتسارع فيه التغيير وتتداخل فيه القيم وتتصادم فيه المصالح.

في النهاية، تظل ظاهرة العنف المجتمعي في مصر أكثر تعقيداً من أن تُفهم من خلال زاوية واحدة. لكن إرث هؤلاء الرواد – أحمد أمين والعقاد وطه حسين ومصطفى عبد الرازق – يقدم لنا أدوات لفهم أعمق لهذه الظاهرة. إنهم يدعوننا إلى النظر إلى ما وراء الجريمة ذاتها، إلى البيئة التي أنتجتها، وإلى النفس البشرية التي ارتكبتها في سياق اجتماعي معين، وإلى القيم الأخلاقية التي غابت أو تآكلت. مواجهة العنف الحقيقية لا تكمن فقط في الردع الأمني، بل في مشروع ثقافي ومعرفي وأخلاقي متكامل يعيد بناء الوعي، ويصلح المؤسسات، ويخلق بدائل إيجابية، تماماً كما آمن هؤلاء الرواد بقدرة الكلمة الناقدة والعقل المستنير والضمير الحي على تغيير الواقع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.