د. حسن هجرس يكتب | الاقتصاد المصري.. من الإصلاح إلى الانطلاق
لم يعد الحديث عن الاقتصاد المصري اليوم يقتصر على مواجهة الأزمات أو احتواء التحديات، بل أصبح الحديث يدور حول
كيفية الانتقال إلى مرحلة جديدة يكون عنوانها الإنتاج، والتنافسية، والاستدامة. فبعد سنوات تحملت فيها الدولة المصرية أعباء إصلاحات اقتصادية واسعة، باتت الفرصة مهيأة للانتقال من مرحلة الإصلاح إلى مرحلة الانطلاق، وهي المرحلة التي ينتظرها المواطن قبل المستثمر، ويترقبها
السوق قبل المؤسسات الدولية.
لقد اتخذت الدولة المصرية بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارات اقتصادية صعبة خلال السنوات الماضية، استهدفت
إعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر قوة وصلابة، رغم ما أحاط بها من ظروف استثنائية، بداية من تداعيات جائحة كورونا، مرورا بالأزمة الروسية الأوكرانية، وصولا إلى الاضطرابات الإقليمية التي ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وحركة التجارة والاستثمار.
ورغم هذه التحديات، واصلت الدولة تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي شامل، تضمن تطوير البنية التحتية، وإنشاء مناطق صناعية
ولوجستية، وتوسيع شبكة الطرق والموانئ، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، وهي خطوات أسهمت في رفع قدرة الاقتصاد المصري على الصمود واستيعاب الصدمات الخارجية.
لكن الحقيقة التي يجب أن نعترف بها هي أن نجاح الإصلاح الاقتصادي لا يقاس فقط بتحسن المؤشرات الكلية، وإنما بقدرته
على تحسين جودة حياة المواطنين. فارتفاع معدلات النمو، والسيطرة على التضخم، وزيادة الاحتياطي النقدي، كلها مؤشرات مهمة، لكنها يجب أن تنعكس بصورة مباشرة على فرص العمل، ومستوى الدخول، وتكلفة المعيشة، وقدرة المواطن على تلبية احتياجاته الأساسية.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة اقتصاد الإنتاج، لا اقتصاد الاستهلاك، ومرحلة التصدير، لا الاعتماد
على الاقتراض، ومرحلة التصنيع، لا الاكتفاء بالاستيراد. فالدول التي حققت نهضتها الاقتصادية لم تعتمد على الموارد وحدها، وإنما اعتمدت على تعظيم الإنتاج، ورفع القيمة المضافة، وتوطين التكنولوجيا، وفتح أسواق جديدة أمام منتجاتها الوطنية.
إن الصناعة المصرية مطالبة اليوم بأن تقود قاطرة النمو، من خلال التوسع في الصناعات التحويلية، وتعميق التصنيع المحلي،
وتوطين الصناعات الاستراتيجية، ودعم الصناعات المغذية، بما يسهم في تقليل فاتورة الواردات، وزيادة الصادرات، وتوفير العملة الأجنبية بصورة مستدامة. كما أن القطاع الزراعي مطالب بدور أكبر في تحقيق الأمن الغذائي، وزيادة الإنتاجية، والتوسع في الصناعات الغذائية الموجهة
للتصدير.
ولا يمكن الحديث عن اقتصاد المستقبل دون منح القطاع الخاص مساحة أكبر للمشاركة في التنمية، باعتباره شريكا رئيسيا
للدولة، مع الاستمرار في تهيئة بيئة استثمارية أكثر تنافسية، وتبسيط الإجراءات، وتسريع إصدار التراخيص، وتفعيل التحول الرقمي، وتعزيز الشفافية، بما يحقق التوازن بين دور الدولة في التخطيط والرقابة، ودور القطاع الخاص في الاستثمار والإنتاج.
كما أن الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي لم يعودا خيارا، بل أصبحا ضرورة تفرضها طبيعة الاقتصاد العالمي الجديد.
وتمتلك مصر من الكفاءات البشرية، والبنية التحتية الرقمية، والموقع الجغرافي، ما يؤهلها لتكون مركزا إقليميا للخدمات التكنولوجية، وصناعة البرمجيات، ومراكز البيانات، والخدمات العابرة للحدود، وهو ما يتطلب الاستثمار المكثف في التعليم التقني، والابتكار، وريادة الأعمال.
ولا يقل أهمية عن ذلك استمرار مجلس النواب في أداء دوره التشريعي والرقابي، من خلال مراجعة القوانين الاقتصادية
بصورة دورية، وإزالة أي معوقات تشريعية قد تحد من جذب الاستثمارات أو تعرقل نمو القطاع الخاص، مع تطوير التشريعات المنظمة للصناعة، والتجارة، والاستثمار، بما يواكب المتغيرات الاقتصادية العالمية ويحافظ على تنافسية الاقتصاد المصري.
إن ما تحقق خلال السنوات الماضية يمثل قاعدة قوية يمكن البناء عليها، لكنه ليس نهاية الطريق. فالمرحلة المقبلة تتطلب
الانتقال من بناء البنية الأساسية إلى تعظيم العائد الاقتصادي منها، ومن تنفيذ المشروعات إلى زيادة إنتاجيتها، ومن تحقيق النمو إلى تعظيم أثره على حياة المواطنين.
إن الاقتصاد المصري يمتلك اليوم فرصة تاريخية للانطلاق نحو آفاق أوسع، مستندا إلى إرادة سياسية واضحة، وبنية تحتية
حديثة، وموقع استراتيجي فريد، وسوق كبيرة، وشعب قادر على العمل والإنتاج. وستظل قوة الاقتصاد الحقيقي مرهونة بقدرته على تحويل كل هذه المقومات إلى مصانع تعمل، وصادرات تنمو، وفرص عمل تتوسع، ومستوى معيشة يليق بالمواطن المصري، لتواصل الجمهورية الجديدة مسيرتها نحو
بناء اقتصاد قوي، منتج، وقادر على المنافسة إقليميا ودوليا.