محمود المناعي يكتب | سور مجرى العيون.. التاريخ والحاضر

0

في مشهد يعكس إرادة الدولة المصرية في إحياء التراث مع مواكبة العصر، يترقب سكان وزوار القاهرة اكتمال واحدة من أضخم مشروعات التطوير العمراني بالعاصمة، إنه مشروع تطوير منطقة سور مجري العيون، الذي يحول هذا المعلم التاريخي العريق إلى قلب نابض بالحياة يجمع بين الأصالة والحداثة.

يُعد سور مجري العيون أحد أبرز المعالم التاريخية في القاهرة، حيث شُيد في العصر الأيوبي ليكون قناة مائية تنقل مياه النيل إلى القلعة، لكن مع مرور الزمن، تحولت المنطقة المحيطة به إلى منطقة عشوائية تعاني من الإهمال والتلوث، وقد جاء مشروع التطوير الشامل ليعيد لهذا الصرح مكانته، حيث أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن تحويل هذه المنطقة إلى مركز عمراني مستدام “يجسد قدرة مصر على تكريم ماضيها مع البناء للمستقبل”.

لم يقتصر المشروع على تجميل الواجهات، بل تبنى رؤية متكاملة تشمل الجوانب السكنية والخدمية والترفيهية. ويشمل المخطط، الذي يندرج ضمن خطة أوسع لتطوير القاهرة التاريخية باستثمارات تتجاوز 22.2 مليار جنيه، تنفيذ 79 مبنى سكنياً يضم 1924 وحدة سكنية، إلى جانب فندق سيتم تشغيله بواسطة إحدى كبرى الشركات العالمية. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل مولاً تجارياً وإدارياً وترفيهياً ضخماً على مساحة 51 ألف متر مربع، يضم مطاعم ودور سينما ومسرحاً مكشوفاً، بالإضافة إلى جراج يتسع لـ 1355 سيارة.

تعكس هذه المكونات تحولاً نوعياً في مفهوم التطوير بالمنطقة، حيث لم يعد الهدف هو توفير المأوى فحسب، بل خلق مجتمع متكامل يوفر فرص العمل والترفيه والاستثمار. وقد لاقى المشروع إقبالاً كبيراً، حيث تم بيع 950 وحدة سكنية بقيمة 5.2 مليار جنيه في مشروع “أرابيسك”، مما يعكس ثقة المستثمرين في جدوى المشروع.

يأتي تطوير سور مجري العيون كجزء من جهد أوسع لإعادة القاهرة التاريخية إلى خريطة السياحة العالمية. ويمثل الموقع الجغرافي للمشروع أحد أهم مقومات نجاحه، حيث يطل مباشرة على السور التاريخي، ويجاور المتحف القومي للحضارة المصرية، ويتاخم حديقة الفسطاط الجديدة التي تُعد أكبر منتزه حضري في القاهرة بمساحة 500 فدان، كما يقع بالقرب من بحيرة عين الصيرة التي يتم تطويرها لتكون مساحات خضراء وترفيهية.

تؤكد هذه الجوارات الثقافية والتاريخية أن المشروع ليس مجرد مجمع سكني معزول، بل نافذة تطل على عمق القاهرة التاريخي، مما يعزز من جاذبية المنطقة كوجهة سياحية متكاملة. ومع استمرار العمل، تتجه المنطقة لتصبح نموذجاً يحتذى به في تطوير المناطق التاريخية، حيث يتم إنشاء ممشى عام بطول 3 كيلومترات امتداداً للسور، تم إنجاز 900 متر منه بالفعل. إن تحويل سور مجري العيون من منطقة مهملة إلى تحفة عمرانية، يؤكد أن التنمية الحقيقية لا تتحقق بإزالة الماضي، بل بإعادة صياغته في حلة جديدة تليق بمكانته، شاهدة على عراقة الماضي وطموح المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.