محمد سامح حسونة يكتب | الشائعات والأمن القومي
لم تعد الحروب في العصر الحديث تعتمد على السلاح التقليدي وحده، بل ظهرت أدوات جديدة أكثر تأثيرًا وأقل تكلفة، في مقدمتها الشائعات. فمع التطور الرقمي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المعلومة سلاحًا قادرًا على التأثير في الرأي العام، وإثارة القلق، وإضعاف الثقة في المؤسسات، وهو ما جعل كثيرًا من الخبراء يعتبرون الشائعات أحد أخطر التهديدات التي تواجه الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين.وتشير بيانات DataReportal 2025 إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت في العالم تجاوز 5.5 مليار مستخدم، بينما يستخدم أكثر من 5.2 مليار شخص وسائل التواصل الاجتماعي. هذا الانتشار الواسع جعل انتقال الأخبار يتم في ثوانٍ، سواء كانت صحيحة أو مضللة. والأخطر أن دراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، ونشرتها مجلة Science، أثبتت أن الأخبار الكاذبة تنتشر عبر منصات التواصل بسرعة تزيد بنحو ست مرات عن الأخبار الصحيحة، لأنها تعتمد على الإثارة واستغلال مشاعر الخوف والدهشة.ولا تقتصر خطورة الشائعات على نشر معلومات غير صحيحة، بل تمتد إلى التأثير في الاقتصاد والمجتمع. فقد تؤدي شائعة عن نقص سلعة معينة إلى زيادة الإقبال على شرائها، ما يرفع الأسعار ويحدث اضطرابًا في الأسواق. كما يمكن أن تؤثر الأخبار المضللة في ثقة المستثمرين، أو تلحق أضرارًا بقطاع السياحة، أو تثير البلبلة خلال الأزمات والكوارث.وقد برز هذا الخطر بوضوح خلال جائحة كوفيد-19، عندما انتشرت معلومات مضللة حول الفيروس واللقاحات وطرق العلاج. ووصفت منظمة الصحة العالمية هذه الظاهرة بـ”وباء المعلومات” (Infodemic)، مؤكدة أن المعلومات الكاذبة قد تهدد حياة الناس لأنها تدفعهم إلى اتخاذ قرارات صحية خاطئة، كما تعرقل جهود الحكومات في إدارة الأزمات.ومن منظور الأمن القومي، أصبحت الشائعات إحدى أدوات حروب الجيل الرابع والخامس، التي تستهدف إضعاف الدول من الداخل دون مواجهة عسكرية مباشرة. فالهدف لم يعد احتلال الأراضي، بل التأثير في وعي المواطنين، وإثارة الانقسام، وزرع الشك في مؤسسات الدولة، وهو ما قد يؤدي إلى اضطراب الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.وفي مصر، يمثل التصدي للشائعات جزءًا من حماية الأمن القومي، خاصة مع التوسع في مشروعات التحول الرقمي والتنمية. وتعتمد الدولة على سرعة إصدار البيانات الرسمية، وتطوير آليات التواصل مع المواطنين، إلى جانب حملات التوعية التي تشجع على تحري الدقة وعدم تداول الأخبار مجهولة المصدر. كما أصبح الأمن السيبراني والتثقيف الرقمي عنصرين أساسيين في مواجهة المعلومات المضللة، خصوصًا مع انتشار تقنيات التزييف العميق (Deepfake) التي تجعل الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر إقناعًا.ورغم أهمية دور المؤسسات، فإن المسؤولية لا تقع عليها وحدها، بل تبدأ من كل مستخدم للإنترنت. فإعادة نشر خبر غير موثق قد تسهم في تضليل آلاف الأشخاص خلال دقائق. لذلك، فإن التحقق من مصدر المعلومات، والاعتماد على الجهات الرسمية، والتفكير النقدي قبل مشاركة أي محتوى، أصبحت ممارسات ضرورية لحماية المجتمع.إن الأمن القومي لم يعد مرتبطًا بحماية الحدود فقط، بل أصبح يشمل حماية العقول أيضًا. وفي زمن أصبحت فيه المعلومة تنتقل أسرع من أي وقت مضى، يظل الوعي هو خط الدفاع الأول، والحقيقة هي السلاح الأقوى في مواجهة الشائعات، لأن المجتمع الواعي هو الأكثر قدرة على حماية استقراره وصناعة مستقبله.