مصطفى طارق مصطفى يكتب | مصر والصين.. مسارًا متصلًا من الثقة
تستقبل مصر فخامة الرئيس الصيني شي جين بينج في بلده الثاني، في زيارة تحمل من الدلالات ما يتجاوز حدود المناسبة السياسية؛ إذ تأتي في عامٍ تحتفي فيه مصر والصين بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وبعد عقودٍ من الصداقة الراسخة التي أثبتت أن العلاقات بين الدول لا تُقاس بطول الزمن وحده، وإنما بما يتركه ذلك الزمن من ثقةٍ متبادلة، ومواقف راسخة، ومصالح تتّسع مع الأيام.
لقد كانت مصر من أوائل الدول التي أدركت مبكرًا أن الصين الصاعدة ليست ظاهرة عابرة في النظام الدولي، وأن بناء جسور التواصل معها إنما هو استثمار في المستقبل؛ فكانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1956، لتبدأ صفحةً جديدة من تاريخٍ طويلٍ من التلاقي بين حضارتين عريقتين، لكل منهما ذاكرة ضاربة في عمق التاريخ، وإسهام أصيل في مسيرة الإنسانية.
ومنذ ذلك الحين، لم تكن العلاقات المصرية الصينية مجرد علاقات بين دولتين، بل أخذت تتشكل شيئًا فشيئًا بوصفها جسرًا بين حضارتين، وفضاءً للتعاون بين شعبين، وشراكةً تتسع آفاقها كلما تغير العالم من حولهما.
وفي هذا السياق، تظلّ زيارة الرئيس شي جين بينج إلى مصر عام 2016 علامةً مضيئة في مسار هذه العلاقات؛ زيارةٌ لم تكن محطةً بروتوكولية عابرة، وإنما دفعةً جديدة لشراكة أخذت منذ ذلك الحين تنتقل من مستوى الصداقة السياسية إلى رحاب أوسع من التعاون الاستراتيجي.
واليوم، بعد عقدٍ كامل تقريبًا، تعود القاهرة لتستقبل الرئيس الصيني، فيما تبدلت ملامح العالم، واتّسعت مجالات الشراكة، وأصبحت العلاقة بين البلدين أكثر رسوخًا وتنوعًا؛ من البنية التحتية والنقل والطاقة، إلى الصناعة والاستثمار، ومن الاتصالات والتحول الرقمي إلى الذكاء الاصطناعي والفضاء والطاقة المتجددة، ومن التعاون الزراعي إلى التبادل الثقافي والتعليمي.
وتظل منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر والصين في منطقة قناة السويس واحدة من أبرز الشواهد على قدرة الإرادة السياسية على تحويل الصداقة إلى مشروعات، وتحويل الرؤى إلى واقع، وجعل التنمية لغةً مشتركة تتحدث بها المصانع والموانئ والطرق ومجالات الإنتاج.
كما تتقدم مجالات جديدة إلى واجهة التعاون؛ فالاقتصاد الرقمي، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والسيارات الكهربائية، والطاقة النظيفة، والبحث العلمي، تمثل جميعها ساحات واعدة لشراكة مصرية صينية تتطلع إلى المستقبل، لا تكتفي بما تحقق، ولا تتوقف عند حدود ما هو قائم.
وفي قلب هذه العلاقة، تظل قناة السويس أكثر من ممر مائي يفصل بين بحرين؛ إنها شريانٌ يصل الشرق بالغرب، وموضعٌ تتقاطع عنده طرق التجارة العالمية، ونقطة التقاء طبيعية بين الرؤية الصينية للتنمية والانفتاح وبين الموقع الجغرافي والاستراتيجي الفريد لمصر.
ولعل أجمل ما في العلاقة المصرية الصينية أنها لا تقوم على المصالح وحدها، وإن كانت المصالح ركنًا أصيلًا فيها؛ بل تستند كذلك إلى تقديرٍ متبادل للحضارة والثقافة والإنسان .. فكما تحمل مصر ذاكرة النيل والأهرامات ومعابدها القديمة، تحمل الصين ذاكرة النهر الأصفر وسور الصين وتراثًا حضاريًا امتد آلاف السنين؛ وبين الحضارتين مساحة واسعة من الاحترام والتأمّل والتبادل.
حين تتجاور حضارتان عريقتان، لا يصبح التاريخ ماضيًا فحسب، بل يتحول إلى لغةٍ مشتركة للمستقبل.
ومن هنا، فإن التعاون الثقافي بين البلدين ليس هامشًا من هوامش العلاقة، وإنما أحد أعمق جذورها؛ فالجامعات، والطلاب، واللغة، والفنون، والإعلام، والمتاحف، والتبادل بين الشعوب، كلها جسورٌ هادئة قد لا تصنع العناوين الكبرى، لكنها تصنع ما هو أبقى منها: معرفة الإنسان بأخيه الإنسان.
وتكتسب الشراكة المصرية الصينية اليوم أهميةً إضافية في ظل عالم يشهد تحولات عميقة في موازين القوة والاقتصاد والتكنولوجيا، وتتعاظم فيه الحاجة إلى علاقات دولية تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتكافؤ المصالح، والحوار، والتعاون من أجل التنمية والاستقرار.
وفي هذا الإطار، تلتقي الرؤى المصرية والصينية في أهمية دعم السلام، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، واحترام سيادة الدول، والدفع نحو حلول سياسية للأزمات.
إن مصر، بحكم موقعها وتاريخها ودورها الإقليمي، تدرك قيمة الشراكة مع الصين؛ كما تدرك الصين، بما تمثله مصر من ثقل عربي وأفريقي وموقع جغرافي واستراتيجي، أهمية هذه العلاقة في بناء جسور أوسع مع المنطقة.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة الشراكة: أن يلتقي الموقع المصري بالقدرة الصينية، والخبرة المصرية بالطموح الصيني، وحاجة التنمية المصرية بما تمتلكه الصين من خبرات وتكنولوجيا وإمكانات، في صيغةٍ تحفظ استقلال القرار، وتصون المصالح المتبادلة، وتفتح أبوابًا جديدة أمام المستقبل.
وفي الذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية، لا تحتفل القاهرة وبكين بما مضى فقط؛ بل تنظران إلى ما يمكن أن يأتي.
فالسبعون عامًا ليست خاتمة فصل، وإنما عنوانٌ لفصل جديد.
من النيل إلى اليانغتسي، ومن ضفاف المتوسط إلى شواطئ المحيط الهادئ، تمتد بين مصر والصين حكاية صداقةٍ لم تكتبها الكلمات وحدها، بل كتبتها المواقف، ورسّختها المصالح، وأغنتها الحضارة، وتمنحها اليوم إرادة المستقبل معناها الأوسع.
وفي القاهرة، حيث اعتادت الحضارات أن تتعانق، نرحّب بالرئيس شي جين بينج؛ ترحيبًا يليق بصديقٍ قديم، وشريكٍ استراتيجي، وقائد دولةٍ تربطها بمصر صفحاتٌ راسخة من التاريخ والعمل المشترك.
أهلًا بكم في مصر؛ أرض النيل، وملتقى الحضارات، وبوابة العالم العربي وأفريقيا.
وأهلًا بالصين، الصديق الذي طالما كان حضوره في مصر أكبر من مجرد حضور دولة؛ حضورُ شريكٍ يؤمن بأن ما يجمع الشعوب يمكن أن يكون أقوى مما يفرقها، وأن طريق التنمية حين يُبنى على الثقة والاحترام المتبادل، يصبح طريقًا يصل حاضر الأمم بمستقبلها.
وإن كان النيل قد علّم المصريين أن الماء لا يتوقف عن الجريان، فإن العلاقات المصرية الصينية تثبت، بدورها، أن الصداقة الحقيقية لا تعرف الجمود؛ تتجدّد مع الزمن، وتتّسع مع الطموح، وتمضي إلى الأمام.
فمرحبًا بالرئيس شي جين بينج في مصر؛ ومرحبًا بصفحةٍ جديدة من صداقةٍ عمرها سبعون عامًا، وآفاقها أبعد من السنوات، وأرحب من الحدود.