محمد سامح حسونة يكتب | مستقبل المدن الذكية
لم تعد المدن الذكية مجرد تصورات معمارية أو مشروعات عمرانية حديثة، بل أصبحت أحد أهم محاور التنمية المستدامة في القرن الحادي والعشرين. فمع تزايد عدد سكان المدن عالميًا، وارتفاع الطلب على الخدمات، وتنامي التحديات البيئية، اتجهت العديد من الدول إلى توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء في إدارة المدن، بهدف تحسين جودة الحياة، ورفع كفاءة الخدمات، وتعزيز الاستدامة الاقتصادية والبيئية.وتشير الأمم المتحدة إلى أن نحو 56% من سكان العالم يعيشون حاليًا في المناطق الحضرية، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى قرابة 70% بحلول عام 2050، بما يعادل أكثر من 6.7 مليار نسمة. هذا النمو الحضري المتسارع يفرض ضغوطًا هائلة على شبكات النقل والطاقة والمياه والإسكان، وهو ما دفع الحكومات إلى تبني مفهوم المدن الذكية كحل عملي لإدارة الموارد بكفاءة وتحقيق تنمية مستدامة.وتعتمد المدينة الذكية على بنية تحتية رقمية متطورة، تجمع البيانات لحظيًا من خلال أجهزة الاستشعار، ثم تُحلل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات أكثر كفاءة. ويشمل ذلك تنظيم حركة المرور، وإدارة استهلاك الكهرباء والمياه، وتحسين خدمات الرعاية الصحية والتعليم، ورفع كفاءة منظومة الأمن، إلى جانب تقديم الخدمات الحكومية إلكترونيًا، بما يوفر الوقت والجهد ويخفض تكلفة التشغيل.وتؤكد شركة IDC أن الإنفاق العالمي على تقنيات المدن الذكية تجاوز 190 مليار دولار خلال عام 2023، مع توقعات باستمرار النمو خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بالتحول الرقمي والاستثمار في البنية التحتية الذكية. كما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن المدن تستهلك أكثر من 75% من الطاقة العالمية، وتنتج نحو 70% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وهو ما يجعل تطوير المدن الذكية ضرورة بيئية واقتصادية، وليس مجرد رفاهية تكنولوجية.وفي مصر، شهد ملف المدن الذكية طفرة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، في إطار رؤية مصر 2030، التي تستهدف بناء مجتمعات عمرانية مستدامة تعتمد على التكنولوجيا والتحول الرقمي. وقد أعلنت وزارة الإسكان تنفيذ 38 مدينة جديدة ضمن مدن الجيل الرابع، تعتمد على أنظمة ذكية في إدارة المرافق والخدمات، وشبكات الاتصالات، والطاقة، والنقل، بما يعزز جودة الحياة ويواكب المعايير العالمية.وتأتي العاصمة الإدارية الجديدة في مقدمة هذه المشروعات، حيث تمتد على مساحة تقارب 170 ألف فدان، وتضم شبكة متكاملة من الخدمات الرقمية، وأنظمة إدارة ذكية للمرافق، ومراكز بيانات، وشبكات اتصالات حديثة، فضلًا عن منظومة نقل كهربائية تشمل القطار الكهربائي الخفيف (LRT) والمونوريل. كما تحتضن المدينة الحي الحكومي الذي يضم مقار الوزارات والهيئات الحكومية، في خطوة تستهدف تسريع التحول إلى الحكومة الرقمية ورفع كفاءة تقديم الخدمات للمواطنين.ولا تقتصر التجربة المصرية على العاصمة الإدارية، بل تمتد إلى العلمين الجديدة، التي تُقام على مساحة تتجاوز 48 ألف فدان، وتستهدف أن تكون مدينة ذكية تعمل طوال العام، وليست وجهة سياحية موسمية فقط. كما تشمل مدن الجيل الرابع المنصورة الجديدة، شرق بورسعيد “سلام”، حدائق العاصمة، ناصر الجديدة، وأسوان الجديدة، وهي مشروعات تراعي معايير الاستدامة، وتوفر بنية تحتية متقدمة تدعم الاستثمار وتخلق فرص عمل جديدة.كما حققت مصر تقدمًا في مجال التحول الرقمي، حيث ارتفع عدد الخدمات الحكومية المقدمة إلكترونيًا، وتوسعت الدولة في تطبيق منظومات الدفع الإلكتروني، والعدادات الذكية، ومراكز التحكم، بما يسهم في تحسين كفاءة الخدمات وتقليل الفاقد في الموارد. وتُعد هذه الخطوات جزءًا من استراتيجية متكاملة تستهدف بناء اقتصاد رقمي قادر على جذب الاستثمارات وتعزيز تنافسية الدولة.ورغم ما تحقق من إنجازات، فإن نجاح المدن الذكية لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، بل يتطلب كوادر بشرية مؤهلة، وتشريعات مرنة، وأمنًا سيبرانيًا قويًا، ووعيًا مجتمعيًا بكيفية الاستفادة من الخدمات الرقمية. فالتكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، تظل أداة لا تحقق أهدافها إلا إذا أُحسن توظيفها لخدمة الإنسان.إن المدن الذكية تمثل استثمارًا في المستقبل، لأنها تجمع بين الابتكار والاستدامة وجودة الحياة. وما تشهده مصر اليوم من توسع في إنشاء مدن الجيل الرابع والتحول الرقمي يؤكد أن بناء المدن لم يعد يقتصر على الطرق والمباني، بل أصبح يعتمد على المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على إدارة الموارد بكفاءة. ومن ثم، فإن المدن الذكية ليست مشروعًا عمرانيًا فحسب، بل رؤية تنموية متكاملة تُمهِّد الطريق نحو مستقبل أكثر استدامة وازدهارًا.بقلم : محمد سامح حسونة