شنودة سعد يكتب | اقتصاد الانتباه.. عندما تصبح عيوننا سلعة
في المقال السابق توقفنا أمام سؤال:
هل نملك أفكارنا… أم نستهلك أفكار غيرنا؟
لكن قبل أن تؤثر أي فكرة فينا هناك شيء يجب أن يحدث أولًا:
أن تحصل على انتباهنا.
وهنا تبدأ واحدة من أكبر المعارك الصامتة في عصرنا.
المعركة على عيوننا.
نستيقظ صباحًا فنفتح الهاتف.
إشعار.
رسالة.
فيديو.
خبر.
صورة.
ثم فيديو آخر.
نعتقد أننا نستهلك محتوى مجانيًا.
لكن ربما هناك طريقة أخرى للنظر إلى المشهد:
نحن لا ندفع دائمًا بالمال… أحيانًا ندفع بوقتنا.
والوقت الذي نقضيه أمام الشاشة ليس بلا قيمة.
فكل دقيقة نبقى فيها أمام منصة هي دقيقة تستطيع خلالها أن تعرض علينا محتوى آخر أو إعلانًا آخر أو منتجًا آخر.
ومن هنا ظهرت معادلة بسيطة:
كلما بقيت أكثر… أصبح انتباهك أكثر قيمة.
وهنا يتغير السؤال.
لماذا ينتهي فيديو ليبدأ آخر؟
لماذا تصلنا الإشعارات؟
ولماذا نفتح الهاتف أحيانًا لسبب ثم نكتشف بعد نصف ساعة أننا نسينا أصلًا لماذا فتحناه؟
لأن هناك شيئًا تتنافس عليه المنصات وشركات الإعلانات وصنّاع المحتوى في اللحظة نفسها.
ليس مالك أولًا.
بل انتباهك.
أغلى شيء لا نشعر أننا ننفقه
لو أخذ شخص منك مائة جنيه دون إذنك ستشعر بالخسارة فورًا.
لكن ماذا لو أخذ منك ساعة؟
قد لا تشعر بشيء.
مع أن المال يمكن تعويضه…
أما الساعة فلا تعود.
وهنا تكمن المفارقة.
لقد تعلم الإنسان كيف يحمي أمواله.
نغلق محافظنا.
نضع كلمات مرور لحساباتنا.
نحمي ممتلكاتنا.
لكننا لم نتعلم بالقدر نفسه كيف نحمي انتباهنا.
مع أن انتباهنا ليس مجرد نظرة إلى شاشة.
إنه جزء من وقتنا.
ووقتنا جزء من حياتنا.
لهذا ربما نحتاج إلى أن ننظر إلى المسألة بطريقة مختلفة:
نحن نعرف ثمن الأشياء التي نشتريها… لكن هل نعرف ثمن الأشياء التي تأخذ وقتنا؟
أنت لست مجرد مشاهد
عندما تشاهد فيديو أنت لا تعطي المنصة مجرد مشاهدة.
أنت تعطيها إشارة.
توقفت هنا.
تجاهلت هذا.
أعدت مشاهدة ذاك.
ضغطت على هذا.
خرجت من الآخر.
ومع كل حركة تصبح الصورة أوضح:
ما الذي يجذب انتباهك؟
وهكذا لا تصبح قيمة انتباهك في أنك شاهدت فقط…
بل في أن مشاهدتك تساعد على معرفة ما الذي قد يجعلك تشاهد مرة أخرى.
وهنا يصبح الإنسان في الاقتصاد الرقمي في وضع غريب.
هو المستخدم.
وهو المستهلك.
وفي الوقت نفسه…
انتباهه نفسه أصبح شيئًا له قيمة.
لكن أين المشكلة؟
المشكلة ليست في الإعلان.
وليست في أن تحقق الشركات أرباحًا.
وليست في التكنولوجيا نفسها.
المشكلة تبدأ عندما يصبح النجاح مرتبطًا فقط بقدرة المحتوى على إبقائنا أمام الشاشة.
لأن ما يجذب الانتباه ليس دائمًا ما يستحق الانتباه.
قد تجذبك معلومة مهمة.
لكن قد يجذبك أيضًا غضب.
أو خوف.
أو فضيحة.
أو خلاف.
وهنا تظهر المفارقة الأخطر:
الأكثر أهمية ليس دائمًا الأكثر انتشارًا… والأكثر انتشارًا ليس دائمًا الأكثر أهمية.
وحين ننسى هذا الفرق قد نعطي وقتنا لما يثيرنا أكثر…
لا لما يفيدنا أكثر.
من يملك يومك؟
ربما نحتاج إلى إعادة التفكير في معنى كلمة ثروة.
فنحن نعتقد أن ثروتنا هي ما نملكه من أموال وممتلكات.
لكن هناك ثروة أخرى نحصل عليها كل صباح:
يوم جديد.
وكل شيء نمنحه انتباهنا يأخذ جزءًا منه.
لذلك فالسؤال ليس فقط:
كم ساعة تستخدم هاتفك؟
السؤال الأعمق:
من اختار أين ذهبت هذه الساعات؟
هل اخترتها أنت؟
أم بدأت بدقيقة واحدة ثم وجدت نفسك بعد ساعة لا تتذكر أصلًا لماذا فتحت الهاتف؟
وهنا يصبح الحفاظ على الانتباه ليس حربًا ضد التكنولوجيا.
بل دفاعًا عن حق بسيط جدًا:
أن تقرر أنت أين تضع جزءًا من حياتك.
اقتصاد جديد… بعملة قديمة
الانتباه ليس اختراعًا حديثًا.
منذ الصحف والراديو والتليفزيون كان الجميع يتنافس على عيون الناس وآذانهم.
لكن الجديد اليوم هو الدقة.
في الماضيكان الإعلان نفسه يُعرض على ملايين الأشخاص.
أما اليوم فالعالم الرقمي يستطيع أن يتعلم تدريجيًا ما الذي يجذب كل شخص بصورة مختلفة.
لم تعد المسألة فقط:
كيف أجذب الجمهور؟
بل:
كيف أجذبك أنت؟
وهنا تصبح القضية أكبر من مجرد شاشة.
لأن بياناتك قد تخبر الآخرين شيئًا عنك…
أما انتباهك فهو جزء من عمرك نفسه.
وفي النهاية…
ربما تكون أغلى الأشياء التي نقدمها كل يوم هي الأشياء التي لا تصلنا عنها فاتورة.
لا أحد يرسل لك في نهاية الشهر كشفًا يقول:
أنفقت هذا الشهر عشرات الساعات من انتباهك هنا.
ولهذا لا نشعر بالخسارة بالطريقة نفسها التي نشعر بها عندما نخسر المال.
لكن الحساب الحقيقي لا يُدفع في نهاية الشهر…
يُدفع من العمر.
ولهذا، قبل أن نسأل:
من يربح من انتباهنا؟
ربما يجب أن نسأل أنفسنا سؤالًا أكثر أهمية:
هل كل ما يأخذ انتباهنا… يستحق فعلًا جزءًا من حياتنا؟
لأن أخطر ما يمكن أن نخسره في اقتصاد الانتباه ليس المال.
ولا البيانات.
بل أن نكتشف يومًا أننا كنا مشغولين طوال الوقت…
لكن ليس بما اخترناه نحن.