شادي الشاذلي يكتب | شم النسيم والأمن الغذائي

0

يرتبط الاحتفال بعيد “شم النسيم” في الوجدان المصري بطقوس متوارثة منذ آلاف السنين، تتصدرها موائد الأسماك المملحة كـ “الفسيخ والرنجة”. ورغم البهجة التي تكسو هذه العادة الاجتماعية، إلا أنها تتحول في بعض الأحيان إلى كابوس مزعج، حين تستقبل غرف الطوارئ في المستشفيات مئات الحالات المصابة بالتسمم الغذائي، نتيجة انعدام الضمير وجشع بعض التجار الذين يستغلون إقبال المواطنين لتصريف منتجات فاسدة وغير صالحة للاستهلاك الآدمي.

من منظور قانوني بحت، نحن لسنا أمام مجرد “وعكة صحية” عابرة أو سوء تقدير من المستهلك، بل نحن بصدد جريمة مكتملة الأركان تمس “الأمن الغذائي” للمواطن. المشرع المصري لم يقف مكتوف الأيدي أمام هذهالكارثة الموسمية، فقانون مكافحة الغش والتدليس، وقانون حماية المستهلك، تصديا بكل حزم لجرائم تداول السلع الفاسدة.

القضية هنا لا تقتصر على مخالفة اشتراطات التخزين، بل تتخطاها إلى “القصد الجنائي” حين يعلم التاجر بفساد بضاعته ويطرحها للجمهور. وفي حالات التسمم الشديدة التي قد تؤدي إلى الوفاة – لا قدر الله – يتغير التكييف القانوني للواقعة لتتحول إلى جناية أو جنحة إصابة خطأ ناتجة عن إهمال ورعونة وإخلال جسيم بأصول المهنة، وهي تهم تصل عقوباتها إلى الحبس والغرامات المشددة، فضلاً عن إغلاق المنشأة ومصادرة البضائع.

لكن الأزمة الحقيقية تكمن في “ثقافة الشراء العشوائي” وضعف الوعي الاستهلاكي. فالقانون، مهما بلغت صرامته، يحتاج إلى مواطن إيجابي يرفض الشراء من مصادر مجهولة أو باعة جائلين لا يخضعون للرقابة الصحية. التكلفة البسيطة التي يظن المواطن أنه يوفرها عند شراء أسماك رخيصة، قد يدفع ثمنها مضاعفاً من صحته وحياته.

إن حماية أرواح المواطنين في المواسم والأعياد تتطلب تضافراً بين يقظة الأجهزة الرقابية التابعة لوزارة الصحة والتموين، وبين الوعي القانوني للمستهلك الذي يجب ألا يتردد في الإبلاغ عن أي منفذ بيع مشبوه. ففرحة الربيع لا يجب أن تُدفع ضريبتها على أسرة المستشفيات، والقانون سيظل سيفاً رادعاً لكل من تسول له نفسه المتاجرة بأرواح المصريين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.