محمد شعبان يكتب | المشروعات الحتمية للمستقبل

0

دائما ما تضع الدول خطط ومشروعات قومية من شأنها توفير استقرارها وضمان سلامة الأمن القومي سواء كان داخلياً أو خارجياً و هناك أوضاع و مواقع جيوسياسية تفرض نفسها على هذه الدول لتنفيذ تلك المشروعات والذي يجعلها أمراً حتمي

إن أخطر ما تواجهه الأمة العربية اليوم ليس قوة الخارج وحدها وإنما غياب المشروع الذي يجعل الداخل قادرا على مواجهة الخارج في حين تفقد الأمة رؤيتها يصبح مستقبلها مفتوحا لمشروعات الآخرين وحين ينقسم الداخل يصبح الوطن ساحة تتصارع عليها القوى الإقليمية والدولية وحين يفقد المواطن أمله في وطنه يبدأ في البحث عن خلاصه خارجه وهكذا يتحول الاستعمار من احتلال للأرض إلى سيطرة على القرار وتفكيك للمجتمع وصناعة للصراع من الداخل ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على الحدود المعركة تبدأ من الداخل

لسنا بحاجة إلى حماية من الخارج بقدر حاجتنا إلى بناء قوة من الداخل لن تستطيع أي منظومة دفاع مشتركة أن تحمي أمة مفككة من الداخل ولن تستطيع الجيوش وحدها أن تصنع استقرارا دائما في مجتمعات فقدت الثقة وضاقت فيها مساحات العمل والإنتاج والأمل وتحولت فيها الخلافات السياسية والمذهبية والقبلية إلى صراعات مفتوحة ،القوة العسكرية تحمي الحدود لكن القوة الاجتماعية تحمي الأوطان، أما الاقتصاد القوي يحمي ويصون سلطة الدولة و تنفيذ القرار والإنسان الذي يجد مكانه ومستقبله داخل وطنه هو خط الدفاع الأول عن هذا الوطن ومن هنا يبدأ المسار الاهم والتحميل. وهو تنفيذ مشروع عربي يبدأ من الداخل نحن لا نحتاج إلى مشروع جديد يقسم العرب إلى معسكرات نحتاج إلى مشروع يجمعهم حول مصالحهم مشروع لا يسأل

من أي طائفة أنت من أي مذهب من أي قبيلة ؟

من أي دولة من اي عرق؟

بل يسأل سؤالا واحدا ، ماذا نستطيع أن نبني معا ؟

وهنا تتحول الأمة من حالة الصراع المصتنع المبني على مكتسبات الموجود إلى حالة الشراكة في صناعة الجديد ، وان يكون ميثاق الامه

 أن  لا يتقاتل الناس على قطعة ضيقة من الأرض بل نفتح أمامهم أرضاً واسعة للبناء والتعمير والتشييد و

بدلاً أن يتنافسوا على موارد محدودة نبني اقتصاداً يضاعف الموارد و يعمل على تعزيز  الاستخدام الأمثل لها بدلاً أن يستخدم كل طرف الآخر كعدو نجعل الجميع شركاء في مشروع واحد نفتح من خلاله مساحات العمل بدلاً من مساحات الصراع وخلق مساحات لزيادة حجم الإنتاج بدلاً من اتساع مواقع الاقتتال و زراعة الأمل بدلاً من الوصول إلى مسارات اليأس النواة التي يمكن أن تغير المنطقة 

لا شك أن كل تحول تاريخي كبير يبدأ من نواة و

هنا النواة التي نبحث عنها ليست تحالفا سياسيا عابرا ولا مؤتمرا جديدا ولا شعارا يرفع ثم يسقط بخيبة الأمل والإحباط والفرقة ،إنها دولة تبدأ من الداخل بإعادة بناء علاقتها بشعبها وفتح أبواب المشاركة والإنتاج والملكية والعمل وبناء اقتصاد حقيقي يشعر المواطن أن له نصيبا في  صناعة مستقبله المقبل عليه ، ولذلك إذا نجحت هذه التجربة في دولة عربية واحدة يمكن أن تنتقل إلى دولة أخرى ثم تتصل التجارب ثم تتكامل المصالح ثم تتوسع الأسواق ثم تتكامل الموارد ومن ثمة ذلك تتحول الحدود من خطوط تفصل الشعوب إلى جسور تصل وترابط بينها

وهنا فقط تبدأ الوحدة العربية الجديدة ولعل هذه الفكرة نادى بها كثير من الزعماء السابقين لميلاد فكرة الوحدة ليست وحدة تفرض بل وحدة تنمو ليست وحدة شعارات بل وحدة مصالح و ليست وحدة أنظمة فقط بل وحدة شعوب

وحدة تبدأ من الداخل وتمتد من الخليج إلى المحيط

من التبعية إلى مبادرة الاتحاد والقوة لقد آن للأمة أن تنتقل من موقع انتظار ما يقرره الآخرون إلى موقع صناعة ما تريده هي 

لا نريد أن يكون مستقبل المنطقة موضوعا على طاولة الآخرين ولا أن تحدد القوى الكبرى شكل علاقاتنا ولا أن تتحول أرضنا إلى ساحات لتصفية صراعات الآخرين، نريد أن نمتلك مشروعنا

أن نحدد مصالحنا أن نبني قوتنا ،و أن نتعامل مع العالم من موقع الشريك القادر لا من موقع التابع المحتاج ، فالخارج لا يستطيع أن يحكم داخلا يمتلك مشروعه ،ان المسار الثالث ليس ضد أحد ،و المساعي نحو إقامة المسار الثالث ليس مشروع مواجهة مع العالم إنما هو  مشروع استعادة القدرة على الاختيار

نحن لا نريد أن  نغلق أبوابنا أمام العالم،بل نفتحها من موقع أقوى لا نرفض التعاون بل نرفض التبعية

لا نعادي الاستثمار بل نريد استثمارا يبني اقتصادا حقيقيا ويخلق قيمة وفرصة لأبناء الوطن و نسعى 

للبحث عن العزلة بل عن شراكات متوازنة تحفظ المصالح والسيادة بين الأمم،هذا الفكر مفاده نحن قيمة مضافة وليس قيمة صفرية من معادلة تغيرات العالم ،من أجل هذا توجب علينا من المسؤولية التاريخية التي قادت الأنظمة العربية سابقاً بأنه ليس من الصحيح بالقدر الكافي أن تدار الأزمات يوماً بيوم

او ان يكون لمجريات الأحداث مجرد رد فعل بعد الحدوث ولم يعد كافياً أن ننتظر ما ستفعله القوى الكبرى ولم يعد كافيا أن نتفاعل مع الأحداث بعد وقوعها، الأمة تحتاج إلى مشروع يولد من رحم رؤية  كاشفة تسبق وتحلل  الأحداث مشروع يقود التحول من حالة الجمود الفكري الي أن نصبح احدى مكونات النسق العالمي الجديد من خلال هدف جامع و مشترك يساهم فيه جميع الأطراف المعنية  والذي يمثل حائط صد أمام  الفجوات التي يتدخل منها القوي الكبرى لخلق حالة من الشقاق و الفرقة و بسط  سياسة الهيمنة والنفوذ .

حفظ الله أمتنا العربية وجعلها أمة عظيمة بين الأمم 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.