محمود عز يكتب | أكتوبر.. دروس لا تُنسى

0

لعل واحدًا من أهم دروس نصر أكتوبر ١٩٧٣، وهو درس نحتاج إلى استيعابه بصورة أكبر اليوم، أننا لا نرى دائمًا الصورة الكاملة في لحظة الحدث. فالمواطن يتابع ما يصل إليه من معلومات، ويقيس الأمور بما يراه ويعيشه ويشعر به، بينما تتحرك الدولة وصانع القرار داخل مساحة أوسع بكثير من الحسابات والمعطيات والبدائل، بعضها معلن، وبعضها لا يمكن إعلانه في توقيته.

قبل السادس من أكتوبر، كان قطاع -ليس بالقليل – من عموم المصريين قد فقد ثقته في إمكانية الحرب واستعادة الأرض، حتى بدا للبعض أن ما جرى في 1967 أصبح أمرًا واقعًا يصعب تغييره. ثم جاء أكتوبر ليكشف، في ساعات قليلة، أن الصورة التي استقرت في الوعي العام لم تكن هي الصورة الكاملة، وأن ما بدا مستحيلًا كان وراءه إعداد وتخطيط وإرادة وقرار

في السادس من أكتوبر 1973 لم تكن مصر تخوض معركة عسكرية فقط لاستعادة أرض احتلت، وإنما كانت تخوض أيضًا معركة لاستعادة الثقة؛ ثقة المصري في قدرته على الفعل، وثقته في دولته، وثقته في أن الهزيمة مهما كانت قاسية لا تتحول بالضرورة إلى واقع دائم.

وتخيل معي، عزيزي القارئ، أننا نخوض ذات الحرب تقريبًا، لكن بمحددات ومفردات مختلفة؛ حربًا لم تعد ساحتها الرئيسية بالضرورة على خطوط المواجهة، ولم تعد أدواتها مقتصرة على الدبابات والطائرات والمدفعية، وإنما أصبحت تدور أيضًا في ساحات الاقتصاد والمعلومات والتكنولوجيا والأمن القومي والوعي، وفي القدرة على الصمود وإدارة الأزمات وحماية القرار الوطني.

في أكتوبر 1973 كان هناك عدو واضح، وخط بارليف، وسيناء المحتلة، وموعد محدد للحرب. أما اليوم، فالمشهد أكثر تعقيدًا؛ التحديات متداخلة، والتهديدات قد تأتي من أكثر من اتجاه، والمعركة قد تبدأ بمعلومة مضللة، أو ضغط اقتصادي، أو أزمة إقليمية، أو محاولة إنهاك الدولة، أو ضرب ثقة المواطن في مؤسساتها وقدرتها على حماية مصالحه.

والأخطر أن المواطن اليوم يعيش داخل المعركة المعلوماتية لحظة بلحظة؛ يرى الصور والتعليقات والتحليلات والتسريبات والتوقعات، ويتعرض لعشرات الروايات المتناقضة في اليوم الواحد، فيصبح أحيانًا أسيرًا لما يظهر أمامه، بينما قد تكون هناك معركة أخرى تُدار بعيدًا عن شاشته، وبأدوات لا يملك تفاصيلها.

وهنا تحديدًا يعود درس أكتوبر ليصبح أكثر حضورًا: ليس كل ما نعرفه هو كل ما يحدث، وليس كل ما نراه هو كل ما تراه الدولة.

لكن هذا لا يعني أن المطلوب من المواطن أن يتوقف عن السؤال أو أن يمنح الثقة بلا تفكير؛ بل يعني أن نمتلك قدرًا أكبر من الوعي بطبيعة الدولة الحديثة، وبالفارق بين ما يمكن أن يُقال للرأي العام، وما يجب أن يبقى داخل دوائر صناعة القرار، وبين حق المواطن في المعرفة ومسؤولية الدولة في حماية مصالحها وأمنها القومي.

فكما احتاجت مصر في أكتوبر 1973 إلى جيش يعرف أكثر مما يعرفه العدو، تحتاج الدولة اليوم إلى مجتمع يدرك أن بعض المعارك لا تُحسم بما يظهر على الشاشات، وأن بعض الانتصارات تبدأ من القدرة على الصبر، وحسن قراءة المشهد، والثقة التي لا تلغي العقل، والنقد الذي لا يتحول إلى هدم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.