د. سامح سعيد عبد العزيز يكتب | أكتوبر.. معركة استرداد الكرامة
حرب السادس-من -أكتوبر كانت لحظة فارقة في تاريخ الأمة العربية وفي مسيرة الدولة المصرية فقد جاءت بعد سنوات من الانكسار والتحديات لتعيد بناء الثقة في النفس الوطنية وتؤكد أن الإرادة حين تتسلح بالعلم والإيمان تتحول إلى قوة قادرة على صنع المعجزات وقد اندلعت هذه الحرب في السادس من أكتوبر عام 1973 بقيادة الرئيس الراحل محمد أنور السادات وبمشاركة بطولية من رجال القوات المسلحة المصرية الذين سجلوا صفحة مضيئة في تاريخ العسكرية الحديثة—-
لقد تجلت العبقرية المصرية في هذه الحرب على مستويات متعددة أولها التخطيط الاستراتيجي الذي اعتمد على الخداع العسكري وإدارة المعلومات بصورة أذهلت أجهزة الاستخبارات العالمية فقد نجحت القيادة العامة للقوات المسلحة في إخفاء نواياها الحقيقية وتحركاتها الفعلية حتى اللحظات الأخيرة مما منح عنصر المفاجأة قوة حاسمة في بداية المعركة كما أن اختيار توقيت العبور في شهر رمضان منح الجنود دافعا روحيا ومعنويا عظيما فامتزجت العقيدة القتالية بروح الصيام والصبر والتحمل
ومن أبرز مظاهر العبقرية المصرية تحطيم خط بارليف الذي كانت إسرائيل تروج له باعتباره حصنا منيعا لا يقهر فقد نجح المهندسون العسكريون المصريون في ابتكار فكرة استخدام خراطيم المياه عالية الضغط لفتح الثغرات في الساتر الترابي في زمن قياسي وهو حل بسيط في ظاهره عظيم في أثره جسد قدرة العقل المصري على تحويل الإمكانات المحدودة إلى إنجازات استثنائية لقد تحول المستحيل إلى واقع خلال ساعات قليلة وعبر الجنود القناة رافعين العلم المصري على الضفة الشرقية لقناة السويس
كما أظهرت الحرب تفوقا في التنسيق بين الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة حيث عملت القوات الجوية على توجيه ضربة جوية مركزة أصابت مراكز القيادة والسيطرة الإسرائيلية بالشلل في اللحظات الأولى ثم تقدمت قوات المشاة والمدرعات تحت مظلة دفاع جوي محكم أقامته مصر بمهارة عالية فحمت به قواتها من التفوق الجوي الإسرائيلي وبهذا التكامل تحققت إنجازات عسكرية غيرت موازين الصراع
إن حرب العاشر من رمضان لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بل كانت معركة وعي وإرادة أثبتت أن الأمة القادرة على مراجعة أخطائها وإعادة بناء ذاتها تستطيع أن تصنع النصر لقد أعادت الحرب الكرامة الوطنية ورسخت مفهوم أن السلام لا يتحقق إلا من موقع القوة وكانت تمهيدا لمسار سياسي انتهى باستعادة الأرض ورفع العلم المصري على كامل تراب سيناء
وستظل هذه الحرب شاهدا على عبقرية الإنسان المصري الذي حين يؤمن بقضيته ويخطط بعقل منظم ويعمل بروح الفريق يستطيع أن يغير مجرى التاريخ فقد علمتنا حرب العاشر من رمضان أن النصر يولد من رحم الصبر وأن الإرادة الوطنية حين تتوحد تصبح أقوى من أي حصار وأصلب من أي خط دفاع مهما بدا منيعا