مصطفى طارق مصطفى يكتب | أكتوبر.. على ضفّة الذاكرة
كأن أكتوبر لا يأتي إلينا من التقويم، بل من الذاكرة..
فما إن يطلّ الشهر حتى يبدو الهواء مختلفًا؛ كأن في النسمات شيئًا من زمنٍ بعيد عاد ليمرّ بنا، وكأن الأرض نفسها تستعيد في هدوء، حكاية الذين عبروا ذات يوم، ومضوا إلى الضفّة الأخرى يحملون وطنًا كاملًا في صدورهم .. لا يتغير شيءٌ في ظاهر الحياة، ومع ذلك يتبدل شيءٌ في القلب.
تشرق الشمس، فتسكب على أرض مصر من نورها ما يوقظ التراب، ثم تنساب خيوطها على شرفات البيوت، ووجوهَ العمال في الطرق، وحقولَ الدلتا الممتدة تحت الضوء؛ فتبدو مصر، في بساطتها اليومية، عظيمةً على نحوٍ لا تحتاج معه إلى زينة؛ وطنًا يحمل مجده في ملامحه، يمضي إلى الأمام ولا ينسى من مهّدوا الطريق.
وتأتيك النسمات من جهةٍ لا تعرفها، فتظنها عابرةً من فوق القناة؛ تحمل شيئًا من ملح الماء، وشيئًا من عرق الرجال، وشيئًا من تراب سيناء.
فالذين رحلوا لم يرحلوا كلَّ الرحيل؛ بقيت أسماؤهم في البيوت، وصورهم مؤطَّرةً على الجدران، يحيط بها فخرُ الآباء واعتزازُ الأبناء والأحفاد، وبقيت سيرتهم في أفواه من عرفوهم ومن جاء بعدهم، وسكنت ذكراهم القلوب قبل أن تسكن الصور؛ وبقيت خطاهم حيث عبروا، شاهدةً على رجالٍ إذا جاء نداء الوطن، لبّوا النداء على الفور، ومضوا إليه كما يمضي المرء إلى أمرٍ لا يحتمل التأجيل.
في أكتوبرَ صباحاتٌ لها طعمٌ آخر؛ تفتح مصر عينيها على شمسٍ تعرف أسماء أبطالها، وتشرق فوق النيل كأنها تستعيد حكايةً قديمة عن وطنٍ إذا اشتدّت عليه الأيام، ازداد ثباتًا، وإذا طال عليه الليلُ لم ينسَ طريقَ الفجر.
أكتوبر ليس شهرًا في التقويم فحسب؛ إنه رائحةُ مصر حين تنتصر، ونَفَسُها حين تستردُّ حقَّها، وصوتُها حين تقول للعالم في هدوء الواثق: هذه أرضي، وهؤلاء رجالي.
نسماتٌ تأتي من ناحية القناة؛ كأنها تحمل إلى المدن البعيدة سلامَ الذين عبروا، وتقول للأرض: ما زالت خطانا هنا، وما زال النصر يعرف الطريق إلى هذه الضفاف.
هنا لا تكون الذكرى بعيدة؛ إنها معنى يسري في الوجدان، ويظهر أحيانًا في أبسط الأشياء: في علمٍ يرفرف في فناء مدرسة، وفي صورةِ شهيدٍ تتوسط بيتًا فتجمع العيون عليها بين الحزن والفخر، وفي شيخٍ ما زال يذكر يوم العبور كأنه وقع بالأمس، وفي طفلٍ يتعلم للمرة الأولى أن للوطن رجالًا دفعوا من أعمارهم ثمنًا كي يبقى الوطن كاملًا.
لهذا يجيء أكتوبر مختلفًا..
لا لأنه يعيد إلينا يومًا من أيام الحرب، بل لأنه يعيد إلى المصريّ شيئًا من يقينه بنفسه؛ يذكّره بأن هذه الأرض لم تكن يومًا مجرد مكانٍ نعيش فيه، بل سيرةٌ طويلة من الصبر والعمل والدموع والانتصار، وأن وراء كل صباحٍ هادئٍ على هذه الأرض رجالًا عرفوا، في يومٍ من أصعب أيامها، أن للوطن حقًا لا يؤجَّل، وأن للأرض موعدًا لا بد أن تُستردّ فيه.
سلامٌ على الذين لبّوا نداء الوطن حين ناداهم؛ فتركوا خلفهم الأهل والبيوت، ومضوا حيث كان يجب أن يكونوا، لا يسألون عن مشقة الطريق ولا عن ثمن الرجوع، وإنما يحملون في صدورهم معنى واحدًا: أن تبقى مصر.
وسلامٌ على الشهداء؛ الذين غابوا عن أعيننا ولم يغيبوا عن ذاكرتنا .. رحلوا بأجسادهم، وبقيت أسماؤهم مضيئةً في البيوت، وبقيت صورهم على الجدران، وبقيت سيرتهم في القلوب كأنها عهدٌ لا يهرم.
وسلامٌ على كل أمٍّ انتظرت، وكل أبٍ احتسب، وكل بيتٍ فتح بابه يومًا فعاد إليه ابنه، أو ظلّ الباب مفتوحًا على انتظارٍ لم يكتمل.
سلامٌ على من عبروا، وسلامٌ على من بقوا، وسلامٌ على أرضٍ لم تنسَ أبناءها.
هنا مصر؛ الأرض التي عرفت كيف تعبر، والوطن الذي لبّى أبناؤه نداءه حين احتاج إليهم، والحكاية التي لم تنتهِ يوم العبور.
وما زالت مصر هنا؛ بمدنها وحقولها ونيلها وقراها، بأطفالها الذين يكبرون، وبشيوخها الذين يحفظون الحكاية، وبكل صباحٍ جديد تشرق فيه الشمس على هذه الأرض.
فسلامٌ على مصر، وسلامٌ على أرضها، وسلامٌ على الذين جعلوا بقاءها عزيزًا، وسلامٌ على الشهداء.