أحمد فاروق عباس يكتب | الوظائف العامة في مصر

0 36

ما هو السبب الذي جعل المصرى متعلقا إلى هذا الحد بالعمل فى الوظائف العامة ؟ لدرجة إن المصرى يكاد يكون من أكثر أهل الأرض رغبة في التوظف في الحكومة ..

إن قراءة التجربة التاريخية للعمل فى دول متقدمة كبريطانيا وأمريكا وفرنسا وألمانيا وايطاليا وغيرهم تخبرنا إن شبابها لا يوجد لديه هذه النزعة الشديدة للعمل في الوظائف العامة أو الوظائف الحكومية ، والتضحية في سبيلها بكل غال ونفيس !!

لقد ذهب شباب تلك البلاد قديما واكتشفوا الدنيا الجديدة واستوطنوها ، ومن هنا نشأت الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا وأغلب أمريكا اللاتينية ونيوزيلندا .. إلخ .

وحتى بعد ذهاب عصر الهجرات الكبرى فإن المجال الخاص هو المكان الطبيعى الذي يفكر فيه الشبان فى تلك البلاد ، وربما يعمل الشباب هناك فى مؤسسات عامة خدمية ولكن بدون تفضيل على غيرها ، وهو دائم التنقل بين الأعمال بدون مشاكل ..

ولكن من أين جاءت هذه النزعة التى أصبحت متأصلة في الجينات المصرية ؟

لم يدرس أحد ذلك الموضوع – فيما أعلم – دراسة علمية ، لذا ليس أمامنا إلا التخمين ..

١ – هل السبب هو تحول النظام الاقتصادى إلى الاشتراكية فى الستينات وما بعدها ؟
فمعروف أنه من خصائص النظام الاشتراكي الملكية العامة لوسائل الإنتاج ، وبالتالي لا يجد أفراد الشعب أمامهم من سبل للعمل سوى الوظائف العامة ..

ذلك صحيح إلى حد ما ، وقد نتجت عنه أجيال لا ترى ولا تفهم فى الدنيا إلا العمل في خدمة الحكومة أو مؤسساتها الإنتاجية والخدمية ..
ولكن الرغبة الشديدة للعمل في الوظائف العامة سابقة بكثير على تطبيق النظام الاشتراكي فى مصر ، ويرجع إلى بداية الدولة الحديثة ونشاة مفهوم العمل بمعناه الحديث ..

ويحكى نجيب محفوظ في روايته الخالدة المرايا – ويعدها كثير من النقاد بأنها شبه سيرة ذاتية للكاتب – أن الشباب عام ١٩٣٠ كان فى حالة إحباط شديد بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية التى أثرت بشدة على مصر ، وكان من مقتضياتها أن الحكومة قد أوقفت تماما أى التحاق للعمل في خدمتها ، وكان المستقبل طبقا لذلك فى عيون الشباب وقتها مظلما !!

٢ – هل السبب هو نظام التعليم الذى وضعته سلطات الاحتلال البريطانى فى بداية القرن العشرين للعمل به فى مصر ..
فقد استدعى اللورد كرومر المستر دانلوب لوضع نظام للتعليم المصري لا يخرج سوى كتبة ومستخدمين في الوظائف الحكومية ، لذا كان تركيز التعليم منذ ذلك التاريخ ولفترة طويلة بعده على إعداد الشبان المصريين لتولى الأعمال الكتابية وإلادارية والفنية المتواضعة ، وإخراج ألات صماء ليس عندهم شئ من الجرأة وحرية الرأى والقدرة على التصرف أو الإبتكار ، وقد ثقفوا ثقافة محدودة ، وحتى من حازوا شهادات أعلى فقد ملئت ادمغتهم بمعلومات كثيرة غير مفيدة لهم فى حياتهم العملية !!

وكان الغرض أن يظلوا مرؤسيين للإنجليز الذين سيطروا على البلاد ، بحيث أنهم – أى الشبان المصريين – يملئون الجهاز الإدارى للدولة فى وظائفه الدنيا والمتوسطة ولا يتطلعون أبدا إلى المناصب الكبرى ، وحتى إذا تطلع أحدهم إلى منصب كبير سيجد نفسه دون ذلك المنصب بكثير ، لأنه لم يعد له الإعداد الواجب أو المناسب ..

وهو عكس فلسفة التعليم في انجلترا تماما ، حيث الاهتمام ببناء شخصية الفرد مقدم على حشو دماغه بالمعلومات ، وبتنمية مواهبه وميوله وصقل خلقه قبل التفكير في حيازته للشهادات ..

٣ – هل السبب هو أن المصرى بطبيعته إنسان غير مغامر ، ويحب الشئ المضمون حتى لو كان قليل القيمة على الشئ عالى القيمة ولكن يستلزم الجهد والإقدام ؟

فالمصرى ابن البيئة النهرية ، حيث الزراعة هى النشاط الرئيسي ، وهى زراعة سهلة سهولة الفيضان السنوى الذى يأتى فى مواعيده من كل عام ، وما على الفلاح سوى وضع البذور ثم إنتظار الحصاد ، ومن صفات تلك البيئات الدعة والكسل وكراهية الجديد وحب المألوف ، بعكس البيئات الأخرى التى تلجأها الظروف وطلب العيش إلي السعى والضرب فى مناكب الأرض بحثاً عن الرزق ، وقد تطورت تلك البيئات مع الوقت إلى مجتمعات تركب البحار بحثاً عن التجارة والربح ، ثم بناء مجتمعات صناعية من فائض تلك الارباح ..

٤ – هل لأن مجالات العمل في مصر ليست واسعة ؟
ولكن من حركة العمل في مصر ومن كلام كثير من رجال الأعمال نشاهد أن مهن كثيرة المطلوب منها أكثر من المعروض !!
وكثير من مديرى الشركات يشتكون من عدم وجود مهن معينة كثيرة غير متوفرة عند أغلب الشباب المصرى ..
ومازالت المهن التقليدية هى مجال المعرفة والخبرة الوحيد الذى يعرفه الشباب المصرى ، والذى لم يدرس اغلبه بالقدر الكافي نوع المهن والمهارات المطلوبة لعصر جديد ..

لقد تركت مصر الاشتراكية منذ عقود ، ولم يعد أغلب الشعب يعمل بالزراعة ونزوعها إلى الاستقرار وكراهية الجديد ، وتغيرت فلسفة التعليم عن أيام الإنجليز ، فما الذى جعل المصرى متمسكا كل هذا التمسك بالعمل الحكومى ؟

تغيرت الأمور نسبيا في مصر فى العقدين الأخيرين ، وذهب شباب كثير يجرب حظه في مهن مختلفة بعيدا عن العمل الحكومى ، داخل مصر أو خارجها ، ولكن الأمل يظل موجودا إذا أتيحت الفرصة للعمل الحكومى ، فهو مازال الحلم ومعقد الرجاء !!

أى واحد من العوامل السابقة – أو جميعها – مسئول عن حب المصرى الغريب للعمل في الوظائف الحكومية ، وعدم نزوعه إلى التجريب والمغامرة فى مجالات أخرى بعيدا عن الوظائف العامة وقيودها ؟ قضية تستحق الدراسة ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.