إبراهيم علي البكر يكتب | العلاقة التوافقية بين الرياضة والسياسة

0

لفظ (رياضة) ولفظ (سياسة) يحملان في اللغة وفي الاصطلاح جملة من الدلالات تتسع وتضيق في ثقافات الشعوب حسب مستوى ممارستها للرياضة وللسياسة، وحسب التجارب التي مرت بها تلك الشعوب سواء من حيث ترييض قدراتها الذهنية والبدنية أو من حيث نوع نظمها السياسية. ومن الصعب الوقوف على بداية ظهور اللفظين الإثنين (رياضة) و(سياسة) في لغات الشعوب، وعلى تطور دلالتهما، وكيف أصبح كل منهما مصطلحا دالا على ممارسة معينة ومحددة. ولذلك يكون من الأجدى أن نأخذ بما توصل إليه الباحثون في تاريخ الرياضة من حقائق تثبت أن الناس مارسوا أنشطة رياضية منذ آلاف السنين، وتشهد لهم بذلك آثارهم العمرانية والفنية والأدبية المحفوظة إلى اليوم. كما أنه من الأجدى أن نأخذ بما توصل إليه الباحثون في تاريخ التمدن من حقائق تثبت أن الناس مارسوا العمل السياسي منذ أقدم الحضارات، ويشهد لهم بذلك ما أسسوه من نظم الحكم، وما كان يحكم علاقات الدول من عهود ومواثيق، وما كان ينتابها من نزاعات وحروب.
و الأخذ بالحقائق المتعلقة بممارسة الناس للرياضة و ممارستهم للسياسة يسمح بالقول بأن الرياضة كانت منذ البدء على علاقة بالسياسة. والمستدل على صحة هذا القول يجد دليله في أن الجيوش التي أنشأتها الأنظمة السياسية في الحضارات القديمة كانت تمارس الرياضة البدنية في تدريباتها على حمل السلاح واستعماله، وأن الجنود كانوا يمارسون فنونا من الدفاع عن النفس في تدريباتهم العسكرية. وأن برامج التدريبات العسكرية كانت تتضمن عند بعض الجيوش ألعابا رياضية كما الحال في الجيش الصيني الذي كان أفراده يلعبون بالكرة.
وعندما ننتقل من معسكرات الجند إلى المؤسسات التعليمية التي أنشأتها الأنظمة السياسية في الحضارات القديمة نجد التربية البدنية ضمن المقررات المدرسية. وفي بلاد اليونان مهد الألعاب الأولمبية كانت المدارس تضع دروس التربية البدنية والموسيقى والقراءة جنبا إلى جنب.
وبالنظر إلى وضع الرياضة ضمن البرامج التدريبية العسكرية ووضعها ضمن البرامج التعليمية المدرسية يتضح أن الرياضة كانت حاضرة في سياسة الدول ، وأنها اتخذتها وسيلة من وسائل إنتاج الطاقة البشرية.
وكانت دولة الإسلام – منذ ظهوره – قد أولت أهمية كبيرة للرياضة عملا بما جاء في الدين من حث المسلمين على ممارستها ، اعتبارا لضرورتها كوسيلة لاكتساب الإنسان المسلم القدرة على أداء واجباته الدينية والدنيوية. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجال دولة الإسلام من الصحابة والخلفاء والقادة من بعدهم قدوة للناس في ركوب الخيل والسباحة والرماية والطراد.
ومنذ انتشار الجمعيات والأندية الرياضية في أوربا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أصبحت الرياضة في معظم بلدان أوروبا شأنا مشتركا بين فريقين؛ فريق يمثل الحكومة الوطنية وما يتبعها رسميا من وزارات وإدارات معنية بالرياضة، وهو فريق يمكن تعريفه باسم (الفريق السياسي)، وفريق آخر يمثل المجتمع المدني وما ينبثق عنه من منظمات وجمعيات وأندية أهلية معنية بالرياضة، وهو فريق يمكن تعريفه باسم (الفريق الرياضي). والعلاقة بين الفريقين قائمة، أساسها التفاعل، وإن كان يشوبه أحيانا بعض الفتور. ودرجة تفاعل الفريقين مرتبطة ارتباطا وثيقا بما يحدث من تقلبات سياسية واقتصادية وثقافية في البلد. وليس من السهل تحديد حجم تأثير أحدهما في الثاني، كما أنه ليس من السهل تحديد المساحتين اللتين تغطيهما السياسة والرياضة في حياة الناس ، وأكثر من ذلك صعوبة تحديد الخطوط الفاصلة بين السياسة والرياضة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.