إيمان الشعراوي يكتب | استراتيجية إفريقية لمواجهة الإرهاب

0 215

مُنيت القارة الأفريقية السنوات الأخيرة بموجة عنيفة من الإرهاب العابر للحدود، والإرهاب الداخلي من قبل الجماعات المحلية المتطرفة، وذلك بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية داعش في سوريا والعراق، بالشكل الذي هدد استقرار القارة الأفريقية وعزز من انعدام الأمن لدي الكثير من شعوب القارة السمراء.
هذا الإرهاب الذي أظهر الفشل الدولي في التصدي له، بل على العكس ترتب على التدخلات الدولية زيادة العمليات الإرهابية وأعداد الشباب الافريقي المنضم للجماعات الإرهابية، وتصاعد العنف في بؤر الإرهاب الساخنة في أفريقيا، بالإضافة إلي زيادة خطر وقوع هجمات إرهابية في العديد من الدول الأفريقية، بما في ذلك بعض الدول التي كانت تُعتبر آمنة نسبيًا في السابق.
هذه الزيادة في معدلات التطرف الإرهابي العنيف في القارة، تُشير إلي عدم إحراز التدخلات الدولية وعلي رأسها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية في أفريقيا، أي تقدم في إضعاف بنية الجماعات الإرهابية والحد من أنشطتها العنيفة والنيل من قدراتها وتعطيلها، وهو ما يؤكد أن تدخلها لمحاربة الإرهاب لم يبن علي أسس موضوعية ترتبط بتحقيق الاستقرار في أفريقيا، لذلك لم يكن من الغريب أن تفشل هذه القوي في هزيمة الجماعات الإرهابية في إفريقيا، وتعلن انسحاب قواتها دون أدني اهتمام بما ستؤول إليه الأوضاع في المناطق التي تشهد تصاعدًا كبيرا لظاهرة الإرهاب.
بقدر ما ترتب علي هذا الفشل الدولي من تداعيات سلبية علي استقرار القارة الأفريقية، إلا أنه يؤكد بما لا يدع مجال للشك أن مكافحة الإرهاب في أفريقيا لن تتم إلا بأيدي أفريقية خالصة، وبتكاتف وإرادة من كافة الأنظمة السياسية الأفريقية في التصدي لهذا الخطر المتنامي، من خلال تبني استراتيجية إفريقية مشتركة لمواجهة الإرهاب لا تقتصر فقط علي الحلول الأمنية والعسكرية، ولكن أيضًا تتضمن الحلول التنموية والسياسية ومعالجة الأسباب الجذرية للإرهاب في أفريقيا، وتقليل الفجوة بين المركز والأطراف في الدول الأفريقية التي تعتبر بؤر الإرهاب.
هذه الاستراتيجية ستلقي دعم وترحيب كبير من قبل الشعوب الأفريقية، التي تتعامل مع التدخل العسكري الدولي على أنه شكل من أشكال الاحتلال الاستعماري الجديد، وطريقة مختلفة للاستمرار في نهب ثروات ومقدرات الدول الأفريقية التي تحتوي علي أكثر من نصف موارد وكنوز العالم في أراضيها، وهو ما استغلته الجماعات الإرهابية التي تخدع الشباب علي أنهم بانضمامهم لهذه التنظيمات فأنهم يحاربون المستعمرين و الوجود الاجنبي علي أراضيهم، وهو ما ترتب عليه زيادة أعداد المنضمين للجماعات الإرهابية.
ولكي تحقق هذه الاستراتيجية هدفها في القضاء علي الارهاب وتجفيف منابعه، ولا تقتصر علي مجرد شعارات رنانة لا فاعلية لها علي أرض الواقع، فأنها يجب أن تنطلق من تجمع دول الساحل والصحراء الذي يضم 27 دولة، وذلك بعد تحويله لتجمع عسكري لمحاربة الإرهاب، خاصة بعد إخفاقه في تحقيق أهدافه الاقتصادية، كما أن دول الساحل والصحراء وبخاصة دول الساحل الأفريقي (مالي- موريتانيا- بوركينا فاسو- النيجر- تشاد) هم الأكثر معاناة من الإرهاب، وذلك في ظل ضرورة عدم التعويل علي الاتحاد الإفريقي، الذي عمل علي بناء استراتيجيات علي أسس متعددة الأطراف لمواجهة الإرهاب، ولكن المصالح المتعارضة بين دول القارة أثر علي وحدته في التصدي للتنظيمات التي استغلت هذا الضعف وحولت منطقة الساحل الأفريقي لمفرخه للإرهابيين.
مع التطلعات بنجاح هذه الاستراتيجية الأفريقية إلا أن هناك تحديات يجب العمل على تذليلها تكمن في أن صياغة مفهوم مشترك للإرهاب أمر ليس سهل، كما أن إفريقيا بصفتها لا تتحدث بصوت واحد عن الإرهاب، فضلًا عن التحديات المتعلقة بالتمويل وضرورة وفاء الدول الأفريقية بالتزاماتها المالية، لكي تؤتي هذه الاستراتيجية نتائج ملموسة في ظل خطورة التنظيمات الإرهابية التي ازدادت ضراوة وقوة وانتشارًا.
مع عودة مصر بقوة لأحضان قارتها الأفريقية وإصرارها علي تقديم يد العون لدول القارة السمراء لمواجهة الإرهاب، ونقل تجربتها الناجحة في مجال مكافحة الإرهاب والاقتراح بتشكيل قوة إفريقية مشتركة لمكافحة الإرهاب إرساء لمبدأ أن الحل الافريقي هو الحل الأمثل للمشكلات الافريقية، لقطع الطريق أمام أي تدخلات أجنبية للعبث بمقدرات الشعوب الأفريقية بحجة مكافحة الإرهاب، لذلك فأنه مع توغل الجماعات الإرهابية يجب البدء في تشكيل هذه القوة المشتركة، التي ليس لها أهداف استعمارية ولكن الهدف منها مصلحة الامن والاستقرار والسلام بين الدول الافريقية، وقرار استخدام هذه القوة في إيدي الاتحاد الافريقي للتصديق علي استخدامها بعد مقترحات مجلس الامن والسلم الافريقي ومن هنا يتحقق مبدأ الوضوح في استخدام القوات العسكرية لمكافحة الإرهاب في أفريقيا.
ختامًا، يستدعي التهديد المتزايد الذي يشكله التطرف الإرهابي العنيف في كل أنحاء أفريقيا، الحاجة إلي إعادة النظر في الاستجابات القارية الحالية و تطبيق الحلول ذات البعد السياسي والأمني والتنموي التي تجتمع فيها عوامل الاستقرار السياسي والحكم الرشيد من ضمان مشاركة كل المجموعات المحلية في الحكم، وإطلاق مشاريع للتنمية ومحاربة الفقر في المناطق التي يتمركز فيها نشاط الجماعات الإرهابية، ومنع دفع الفدية وتجفيف منابع تمويل الجماعات المتطرفة، ومحاربة الفكر الإرهابي بنشر الوعي، واستبعاد التدخلات الأجنبية، التي عادة ما تمثل أحد مبررات نشاط الجماعات الإرهابية، وذلك باعتبار أن الإرهاب ظاهرة تهدد كيانات كل الدول من دون استثناء وخطر جسيم وقنبلة موقوتة تهدد أمن وسلامة دول العالم أجمع.

* إيمان الشعراوي، باحثة في الشؤون الأفريقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.