الحسن زهور يكتب | الحضارة الأمازيغية في الأساطير اليونانية

0 472

تزودنا الأساطير القديمة سواء اليونانية منها أو الرومانية أو الامازيغية أو الفرعونية ببعض الاشارات الهامة عن الحضارة الامازيغية التي عرفتها شمال غرب افريقيا. إضافة الى بعض الاشارات التي أوردها ابو التاريخ “هيرودوت” عن التأثيرات الثقافية الامازيغية في الثقافة اليونانية منها مثلا الاشارة الى كبار الآلهة اليونانية التي أخذها اليونان أو الرومان من الامازيغ مثل إله البحار السبعة “بوسيدون” الذي ما يزال يحتفظ باسمه الامازيغي، والآلهة الاخرى ك” أطلس” و “تانيت” التي تحولت الى” أثينا”، و”گايا” و “أنتي” …
هذا الاخذ والعطاء بين الثقافتين الامازيغية واليونانية والرومانية والمصرية أي ما يسميه بالتثاقف نجد له مظاهر في اساطير البحر الأبيض المتوسط والتي ينسبها الكثير من الباحثين الى اليونان أوالرومان دون التعمق في البحث والمقارنة بين اساطير شعوب ضفتي المتوسط، إما لأسباب ايدلوجية تمثلها المركزية الاوروبية التي بدأت منذ الإغريق بالاحساس بالتفوق الاوروبي من جهة، و تمثلها من جهة أخرى المركزية القومية الشرقية التي تنفي عن الشعوب الاسلامية الاخرى تميزها وخصوصيتها الثقافية والحضارية لدواع ايديولوجية عنصرية، لكن تبقى قلة من الياحثين ومن الجانبين من تسعى الى البحث العلمي والموضوعي حسب المعطيات المتوفرة …
هذا التثاقف بين الثقافتين اليونانية والرومانية من جهة والثقافة الامازيغية ستعكسها بعض الاساطير التي تمزج بين الثقافتين، منها مثلا اسطورة “كيوبيد وبسيشي” وأسطورة “هرقل” وغيرها من الاساطير التي ما زالت تتطلب الكثير من البحث والدراسة من الباحثين الأمازيغ المتشبعين بثقافتهم الأمازيغية، فكما يقول المثل الأمازيغي “ؤو سّين ماد ئلّا ن غ تولكت أبلا والّي سيس ءتّوتن” ويقابل معناه المثل العربي ” ما حك جلدك مثل ظفرك”.
فقد حفظ لنا الادب القديم بعض الاساطير الامازيغية التي أخذها اليونان والرومان من الثقافة الامازيغية وأدمجوها في ثقافتهم وأساطيرهم مثل اسطورة “بسيشي” الأمازيغية التي ذكرها أفولاي “ابوليوس” بإسهاب في روايته المشهورة “الحمار الذهبي” أو التحولات (Metamorphoses)، واساطير “تانيت”، و”بوسيدون”، و”كايا” و”أنتي”، وأطلس”…
اسطورة “كيوبيد وبسيشي” التي تعبر بجلاء عن التثاقف بين ضفتي البحر المتوسط، والتي تمتزج فيها الاسطورة الرومانية والامازيغية، تحكي هذه الاسطورة عن قصة حب بين بين إله الحب عند الرومان “كيوبيد” وبين الامازيغية “بسيشي”، هذه الفتاة الأمازيغية التي نافست الإلهة ” بنيس – Vénus” ( إلهة الجمال عند الرومان) في الحسن والجمال إلى حد جعل الناس يعظمونها ، مما جعل الإلهة Vénus تحنق عليها مخافة أن تأخذ مكانها في التعظيم والتقديس فيرفعها الناس الى مكانة الألوهة، لذلك قامت Vénus بمحاربتها بكل الوسائل، لكنها زادت من إعجاب الناس وولعهم بها، وفي الاخير أمرت ابنها “كيوبيد” إله الحب أن يوقعها في شباكه ليذلها ويشوه سمعتها ومكانتها بين الناس، لكنه يقع في حبها؛ ومن هنا تبدأ أحداث الاسطورة إلى أن انتهت بقبول “بسيشي” الأمازيغية في المجمع الإلهي للبحر الابيض المتوسط أنذاك. وبقيت هذه الاسطورة خالدة في الاساطير الامازيغية الى اليوم، لكن الرواة الأمازيغ نزعوا عنها أسماء الآلهة ووضعوا عوضا عنها شخصيات أخرى مثل “الغول”.. ليجنوها المسح من طرف الديانات الوافدة عليهم مثل المسيحية ثم الاسلام والتي تحارب الاساطير وتعتبرها نوعا من الشرك. وهذه الطريقة التي التجأ اليها الامازيغ للحفاظ على طقوسهم وعلى احتفالاتهم وعاداتهم الثقافية أي ربط ثقافتهم ببعض المظاهر والطقوس الدينية وإلباسها أحسانا غلالات الدين (مع الحفاظ على جوهرها الثقافي الامازيغي) هو ما أتاح للكثير من العادات والطقوس والاحتفالات الأمازيغية للبقاء الى اليوم وهي التي تميز الأمازيغ اليوم. حيث ما زالت هذه الاسطورة الأمازيغية متداولة في المغرب، وفي الجزائر أخذت عنوان “الورد المشتعل”، دونتها ودرستها الباحثة الجزائرية زهية طراحة في دراسة أنتروبولوجية لها بمجلة “إنسانيات” الجزائرية، ونزعت منها أسماء الآلهة وعوضت بشخصيات أخرى لتبقى حية الى اليوم.
هذا التثاقف بين ضفتي البحر الابيض المتوسط والذي يجمع بين الثقافتين الأمازيغية واليونانية والرومانية في بعض المظاهر الثقافية، سيتجلى كذلك في اسطورة هرقل البطل اليوناني الاسطوري الذي جمع بين الصفة الالوهية وطبيعته البشرية بعد انجازه للأعمال الخارقة الاثني عشر، فهو ابن جوبتير أو زيوس كما في الاساطير اليونانية أو الرومانية. فقد أوعزت الإلهة “جونو” أو “هيرا” لزوجها الإله الكبير “زيوس” (ويقابله الإله أمون عند الامازيغ) أن يأمر هرقل بإنجاز هذه الاعمال الاثني عشر للصفح عنه ولإثبات صفة الألوهية فيه. وسنقتصر هنا على عمله الحادي عشر والذي ارتبطت مغامراته فيه بالمغرب وبالضبط بحدائق “هيسبيريس”.
يتحدث العمل الحادي عشر لهرقل عن التفاحات الذهبية الثلاث التي أمر هرقل بالاتيان بها من حدائق “هيسبيريس” الموجودة بالمغرب، واختلف في مكان هذه الحديقة أو الحدائق هل هي بقرب طنجة حيث أعمدة هرقل ومغارته، أم في اللوكسوس، وغالبا ما يشار الى انها تقع بين طنجة والعرايش..
يتحدث هذا العمل الحادي عشر عن خروج هرقل في مغامراته للبحث عن التفاحات الذهبية التي تنتجها شجرة التفاح التي أهدتها ربة الارض ” گايا” ألهة الارض عند الامازيغي للإلهة “هيرا” بمناسبة زواجها من الاله “زيوس”، ووكلت لحراستها بنات الاله أطلس، وبما أن الالهة “هيرا” لم تعد تثق ببنات أطلس فقد أوكلت حراسة الشجرة لتنين ذي سبع رؤوس لا يغفل أبدا عن حراستها. وأستطاع هرقل أن يعرف مكان هذه الحديقة التي يسمع عنها البشر ولا يعرف موقعها. ولكن كيف يمكن لهرقل الاقتراب من الشجرة، والتنين يحرسها؟ هنا التجأ الى الإله “أطلس أو أتلاس” إله الأمازيغ من والذي تحرس بناته تلك الحديقة في الاساطير الرومانية ، فطلب منه هرقل أن يساعده على قطف التفاحات الذهبية الثلاث، فيلبي أطلس طلبه على أن يحمل عنه عبء السماء التي يحملها على كتفه -منذ أن حكمت علية الآلهة الرومانية بذلك، لكي يستطيع أن يلبي طلبه ويأتيه بالتفاحات. يقبل هرقل فيحمل السماء على كتفه ، ويستطيع أطلس أن يأتي له بالتفاحات الذهبية. وتقول الاسطورة أن أطلس اراد أن يتخلص من عذاب حمل السماء على كتفه، فأخبر هرقل بأنه سيقوم بمهمة ايصال التفاحات الى الآلهة، لكن هرقل احتال عليه بأن طلب منه أن يساعده على وضع جلد الاسد على كتفه ليستطيع حمل السماء بكل راحة، فطلب منه أن يحمل السماء ريثما يثبت جلد الأسد على كتفه، فانطلت الحيلة على أطلس ووضع التفاحات على الارض وحمل السماء عنه، إذ ذاك أخذ هرقل التفاحات ورجع محققا غايته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.