الاء عبد الحميد المنزلاوي تكتب | الطلاب يقدمون الحلول أحياناً

0 1,726

على الرغم من أن المشروعات العمرانية تشغل نصيب الأسد من المشروعات التنموية القومية، ولا يستطيع عاقل أن ينكر أهميتها من حيث النتائج المستهدفة من التوسع العمراني وزيادة الفرص للنمو الاقتصادي الذي يؤثر إيجابيا في رفاهية الفرد، وكذلك في مرحلة التشغيل والإنشاءات التي تساعد على حركة الأسواق باعتبار أن الاعمال الإنشائية هي أعمال كثيفة العمالة وتشغل نحو أكثر من 70 فئة من فئات الصناعة.

إلا إن الواقع في مصر يظهر افتقادها للمنظرين والمؤثرين والنخب المعمارية التي تستطيع مساعدة الحكومة في دعم مشروعات او تقويم مساراتها إذا ما استدعى الامر، وكذلك تمرير أو توجيه الرأي العام بنشر الوعي بما يتلاءم مع طبيعة المشروعات بحيادية بعيدا عن مواقف التأييد المطلق او المعارضة المطلقة لسياسات الدولة.

من الثابت والمعروف إن من سمات البشر عدم قبول أي تغيير أو تطوير بسهولة ، فدائما ما يلقى مقاومة وتحرك في اتجاه مضاد لاتجاه الحركة الدافعة للتغيير، والمطلع على طبيعة العمارة والروابط النفسية والعاطفية التي تنشأ بينها وبين الأفراد في أي مجتمع يكون مدرك تماماً بإن نوع قوى المقاومة الأبرز التي تواجه التغيير هو نوع يسمى (قوى المحافظة على القديم- (Traditional Power وهي القوى التي ترتبط بالقديم ارتباطا وجدانيا عاطفيا فتميل إليه باعتباره المفضل لديها ، وعادة ما يمثلها كبار السن الذين يرتبطون نفسياً بالماضي بما فيه من ذكريات سعيدة ومواقف محببة .
والمتابع لعمليات التطوير العمراني في مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية والتي يعتبرها البعض العاصمة الثالثة في مصر ، والتي كان يتغنى بجمال شوارعها ومبانيها حتى جاءت فترات الفوضى الإنشائية التي كان يقودها مقاولي الهدم وحولوا مبانيها المميزة معماريا الى علب أسمنتية تفتقد للجمال المشهورة به تلك المدينة بالإضافة الى “ظاهرة ترييف المدينة”، ثم جاءت الدولة بمشروعاتها التنموية للمدينة التي تتسم بالعملية مستهدفة تيسير الحياة اليومية للأهالي وكذلك زيادة الرقعة العمرانية بدلا من التكدس في شوارع مدينة المنصورة التاريخية ، إلا أن تلك الجهود قوبلت من الأهالي بعدم الرضا النسبي عن تلك التغييرات فتحملت الدولة فاتورة مقاومة التغييرات للمشروعات التي قام بها مقاولي الهدم وسلوكيات ترييف المدينة.
ومن ضمن المشروعات الطلابية لكلية الفنون الجميلة بجامعة المنصورة للعام الدراسي الجاري جاء مشروع توثيق التراث المعماري لمدينة المنصورة من خلال عمل مجسمات معمارية لبعض المباني التراثية ذات الطراز المعماري المتميز سواء القائمة او المتهالكة، وعند الإعلان عن تلك المجسمات، استقبلها الرأي العام بمدينة المنصورة بترحاب شديد وصنع حالة من الزخم على مواقع التواصل الاجتماعي مع مطالبات بإضافة مباني ومواقع أخرى وتوثيقها من خلال تلك المجسمات.
وهو الأمر الذي يعني أن هؤلاء الطلاب قد قدموا أنفسهم دون أن يدركوا كعنصر من عناصر إستراتيجيات إدارة التغيير تسمى (فرق العمل المرادفة- Counterpart Team) ، فقد بدء هؤلاء الطلاب نشاطهم باعتباره أحد وسائل التقييم الدراسي ولكنه وصل بهم غلى تقديم احد الحلول لإشكاليات الرضاء الشعبي لمشروعات التطوير العمراني، والتي قد تؤثر على إيقاع عملية التغيير، وليس ذلك فقط ، بل أنهم قدموا ألية للتوثيق ليست أكاديمية فقط بل وجماهيرية أيضا قد تعيش لعقود بل وقرون إذا ما وجدت الدعم من الدولة وتحولت من نشاط طلابي إلى مبادرة ، والتي أيضا يمكن أن تتحول إلى عنصر جذب سياحي في مشروعات تم تنفيذها في العديد من دول العالم تسمى معارض المجسمات.

ا.م.د/ الاء عبد الحميد المنزلاوي
رئيس وحدة ابحاث جودة الحياة – مركز الجيل للدراسات السياسية والاستراتيجية
رئيس قسم العمارة – كلية الفنون الجميلة – جامعة المنصورة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.