ثامر عباس يكتب| مفهوم العنف الاجتماعي

0 117

على الرغم من الكم الهائل والتنوع المذهل لأدبيات العلوم السوسيولوجية والانثروبولوجية والسيكولوجية ؛ السياسة والاجتماع والنفس والتاريخ والاقتصاد ، فضلا”عن الثقافة والدين ، التي تصدت لبحث ودراسة ظاهرة (العنف) في المجتمعات البشرية ، وخصوصا”لجهة الكشف عن الأسباب المولدة لها وإماطة اللثام عن الدوافع المحرضة عليها . إلاّ أن واقعة الاختلاف في تعريف ماهيتها والتباين في توصيف دينامياتها ، ستبقى مسائل معلقة وغير محلولة تتضارب حولها الآراء وتتصادم بشأنها التصورات ، انسجاما”مع حقائق ما يحفل به الواقع الاجتماعي من تنوع في الثقافات واعدد في الديانات وتباين في الحضارات . وهو الأمر الذي حمل الفيلسوفة الألمانية (حنة أرندت) – وهي تحيل إلى المفكر الفرنسي (جورج سوريل) – إلى الشكوى من هذا الأمر قائلة (( ما كان سوريل يلاحظه قبل ستين سنة من أن (مشاكل العنف لا تزال شديدة الغموض) لا يزال اليوم صحيحا”بمثل ما كان أيام سوريل). هذا في حين اعتبر عالم الاجتماع الفرنسي (فيليب برنو) من جانبه إن (صعوبة تعريف العنف أمر يعاني منه بصورة خاصة العالم الاجتماعي . فهو إذ يحاول في مرحلة أولى دراسة النظم الاجتماعية ، يلاحظ إن ما يسمى بالعنف يختلف من مجتمع لآخر ، ومن حضارة لأخرى . ففي نظام إفريقي معين يعتبر تقديم الذبائح البشرية أمرا”طبيعيا”، ولا يمكن وصفه بالعنف . وعلى العكس من ذلك ، فان انعدام التضامن بين الجماعات البشرية المذرّاة في مدننا الحديثة ، من شأنه أن يبدو عنفا”لا يطاق في نظر أفراد القبيلة الإفريقية القاتلة . فان العنف يتعلق بنظام معايير المجتمعات).
واللافت حقا”إن بعض المعاجم والموسوعات المعتمدة في هذا المجال تجنبت – ضمن استعراضها الموجز لبعض المفاهيم والمصطلحات المتداولة في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية – الإشارة إلى ما يعنيه العنف (كمفهوم) وما قد يدلل عليه من مضامين مختلفة ، مقصرة تركيز اهتمامها على بعض الجوانب الإجرائية التي تتمظهر من خلالها ظاهرة العنف بين الأفراد والجماعات ، أو عبر صراع الدولة مع مكوناتها الاجتماعية ، فضلا”عن إلماحها المقتضب إلى ما بلورته هذه النظرية أو تلك من أفكار وتصورات حيال طبيعة العنف وماهية الدوافع المسببة له . وكأني بها تحاول النأي بنفسها عن الاحراجات المترتبة على تفضيلها لمفهوم معين دون الآخر ، والتي يمكن أن تساق إليها عندما تتصدى لهذه المهمة الإشكالية . وكمثال على ذلك فانه ومن خلال استعراضنا لمجموعة من المعاجم والموسوعات المتخصصة في العلوم الاجتماعية والإنسانية ، نلاحظ تنوع في الإجابات وتباين في المنظورات وفقا”لما قد تعنيه ظاهرة العنف بالنسبة لها وعلى النحو التالي :
أولا – ورد في معجم العلوم الإنسانية ما نصه (( يتخذ العنف في المجتمعات الإنسانية أشكالا”مختلفة : شكل الحرب (البين تقنية ، بين دولية ، حرب أهلية ، وغزو) ، وشكل الجريمة والأعمال المنحرفة (العاطفية ، السياسية ، الماجنة) ، عنف الدولة (القمع ، التعذيب ، والعزل) ، والشكل الأكثر انتشارا”، مثل المشاجرات والمشاحنات بين الأفراد (إثناء الفرص أو بين اللعب) ، وثمة أعمال عنف خفية (العنف الزوجي، الاغتصاب ، سوء معاملة الأولاد) ، وثمة أعمال قصاص يفرضها السلك الكهنوتي أو الأهل والمربين وأسياد العبيد الآخرين )).
ثانيا”- من ناحيتهم فقد اقتصر واضعوا معجم الاثنولوجيا والانثروبولوجيا على ذكر معنى (العنف المدني) وحسب باعتباره (( ظاهرة تتجلى في المجتمعات الكبرى ، وبالأخص في الأحياء المهمشة – لاسيما تلك التي تعاني من نسبة بطالة مرتفعة – والتي تكاد تتماهى بشكل كلي مع (الضواحي) … حيث تنطلق تجليات هذا العنف ، من عمليات التخريب إلى مواجهات مع قوى الأمن يمكن أن تتحول إلى شغب يستجلب قمعا”عنيفا”)).
ثالثا”- هذا بينما اعتبر معجم الماركسية النقدي انه (( ليس العنف مفهوما”معينا”، انه ممارسة ملازمة للعلاقات الاجتماعية تعبر عن أشكال عديدة تتخذها هذه العلاقات … إن العنف ليس سوى الوسيلة ، بينما الإفادة الاقتصادية هي الغاية )).
رابعا”- وفي موسوعته المؤلفة من ثلاثة أجزاء أوجز لنا الفيلسوف الفرنسي (أندريه لالاند) تصوراته لظاهرة العنف على النحو التالي ؛ فهو تارة بمعنى (( إلحاق الأذى بنفسه ، ألحق الأذى بطبيعته)) ، وتارة ثانية بمعنى (( الاستعمال غير المشروع أو على الأقل غير القانوني للقوة )) ، وتارة ثالثة بمعنى (( ما يفرض نفسه على كائن ، خلافا”لطبيعته )).
خامسا”- وإذا ما تأملنا المعجم النقدي لعلم الاجتماع ، الذي على الرغم من كونه يعد من أكثر المعاجم توسعا”في شرح ظاهرة العنف ، إلاّ انه يحجم بدوره عن تقديم أي مفهوم محدد يمكن اعتماده وتبنيه . إنما يقترح علينا – بدلا”عن ذلك – الأخذ بنظر الاعتبار مظهران أساسيان للعنف : الأول ذو طابع (فوضوي) ، في حين إن الثاني ذو طابع (مؤسسي) من جهة ، مع الإشارة إلى وجهتا نظر كل من الأطروحة (الهوبزية) و(الماركسية) بشأن دوافع العنف وآليات تحققه . وهكذا (( فالمفهوم الأول يشدد على حالة الفوضى المسبقة التي توجد فيها المجتمعات التي يتطور فيها العنف . أما الثاني فيشير إلى فعالية العنف محددا”أن هذه الفعالية تتعلق بدرجة تنظيم المجموعات التي تعمد إلى استعمال القوة )).
سادسا”- وعلى قدر أهمية موسوعة علم الاجتماع التي حررها مجموعة من العلماء الاجتماعيين بثلاثة أجزاء ، إلاّ أنها لم تنبس ببنت شفة حيال مفهوم العنف باستثناء الإشارة اليتيمة إلى مفهوم (العنف الأسري) الذي يمارسه الرجل ضد المرأة ، ومصطلح (العنف النقابي) المتضمن أشكال الصراع الطبقي بين العمال وأصحاب رأس المال .
وإذا ما اعتبرنا إن تلك المعاجم – برغم كونها أعطت بهذا القدر أو ذاك أفكارا”وتصورات موجزة عما يكونه العنف في إطار التجربة الإنسانية – مقصرة حيال عزوفها عن إيراد أي تعريف يحدد لنا ماهية (مفهوم العنف) ، فان هناك معاجم وموسوعات أخرى أحجمت نهائيا”عن ذكر أي شيء يتعلق بتلك الظاهرة لا من قريب ولا من بعيد ، بحيث يتعذر علينا استيعاب الأسباب المسوغة لهذا العزوف والإحجام الغريب ، لاسيما وأنها تستعرض الظواهر الاجتماعية بمختلف أنماطها السياسية والثقافية والنفسية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.