حسن الشرع يكتب | الروح الرياضية السياسية

0 137

تقوم الديمقراطية على ركائز منطقية تمثل افرازا طبيعيًا للمنجز الحضاري الغربي، من هذه الركائز: تحرير الفكر، تحرير الجسد، تحرير المال والثروة ووسائل الإنتاج (الاقتصاد)، الروح الرياضية.
لأن الركائز الثلاث الأولى واضحة التأثير في السياسية ومضامينها الديمقراطية، فبودي أن أسلط الضوء على الركيزة الرابعة لقلة ما كتب عنها وعبر سرد ملخص جدًا.
أولًا أود الإشارة إلى أن هذه الركائز الأربعة ليست مستقلة الفعل والتأثير بل أنها وعوامل أخرى غيرها تعمل كمحركات متجانسة في الفعل الحركي والسلوكي الديمقراطي، كما أن فهم ذلك الفعل وآلياته يستند إلى القاعدة الفكرية نفس وما أسسه لها آدم سميث وجون لوك من أفكار ليبرالية.
الكولسيوم هو إحدى عجائب الدنيا السبع المعروفة ويسمى كذلك مسرح الموت الرماني، كان يجتمع فيه الناس من العامة ومن النبلاء ليشاهدوا حفلات الإعدام أو الموت أو المصارعة أو الوحوش كالسباع المُجوعة وهي تلتهم المحكومين بالإعدام. ويتم ذلك عبر طقوس معروفة آنذاك، ويمضي الصراع عبر المصارعة حتى الموت في الحلبة المر الذي يمتع الجمهور.
لكن تغيرًا فكريًا كبيرًا حصل عقب عصر الاستكشاف البحرية وما تلاه من استعمار وثورة صناعية وعلمية قاده مجموعة من المغامرين المتحررين من اغلال الفكر الديني التسلطي، لم يحصل ذلك طبعا دون تضحيات. لقد نجح الأوروبيون في نهاية القرن السادس عشر من أصلح أحوالهم السياسية، فأول إصلاح برلماني انكليزي كان في العام 1532م. مجموعة التغيرات الاقتصادية قادت بالضرورة إلى تغيرات في بنية وسلوكيات المجتمعات الأوروبية، خفت حدة المزاج الحربي الاوروبي تدريجيا بالرغم من استمرار الصراعات على السلطة والنفوذ والموارد والتي غالبًا ما كان يغلفها الطابع الديني.
أتكلم عن المزاج الاجتماعي، فمن المعروف أن مؤرخي الغرب عمومًا نجحوا في تبني الفكر التحليلي في دراسة الظواهر الطبيعية والاجتماعية والتاريخية وقدموا لن مؤرخوهم وفنانوهم صورًا مفصلة عن طبيعية الحياة الغربية والأوربية آنذاك. على عكس ما عمله نظراؤهم الملمون او العرب من تقديم التاريخ على طبق الملوك وحياتهم ووفق ما يشتهون. لقد نجحت هذه التغيرات والافكار في ان ينتقل الصراع الدامي والمميت داخل الحلبة إلى ساحات اللعب وأن لا ينتهي بموت أي من المتصارعين الخصوم، لا بل نجحوا في ان يثبتوا اعرافا جديدة سمي لاحقا بالروح الرياضية وهو أن يقدم المهزوم التهاني لمن غلبه في الحلبة على أمل أن يلتقي الطرفان عبر جولة جديدة بعد فترة مناسبة للإعداد والتهيؤ، وقد تكون هناك نتائج مختلفة تماما تقتضي تهنئة الفائز الذي خسر المسابقة يومًا ما.
هذا التأسيس كون آلية للتنافس الشريف وأصبح لاحقًا أحد مرتكزات الديمقراطيات الحديثة في الحضارة الغربية. لقد نجح العقل الغربي الخلاق أيضًا في إدامة هذا المبدأ ضمن حركة الاقتصاد الحر، فنشأت النوادي الرياضية حتى أصبحت اليوم بحد ذاتها احدى مقومات ومصادر الاقتصاد في معظم دول أوروبا بحيث أننا لا نستغرب كثيرًا من القول إن أحد النوادي يعمل بميزانية تعادل ميزانية دولة صغيرة أو متوسطة الحجم، وأصبحت انتقالات الكثير من لاعبي كرة القدم مثلًا تتضمن صفقات بعشرات الملايين من الدولارات أو اليوروهات، وهذا منشأ العلاقة بين المرتكزات الأربعة التي سبق الحديث عنها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.