حسين سالم مرجين يكتب | مستقبل التعليم العالي في ليبيا (1-2)

0 96

عند الحديث عن التعليم العالي في ليبيا تبرز لدي مشاعر القلق والخوف، وهموم الترّقب، وانتظار المجهول؛ حيث لا يزال التعليم يُعاني من افتقاد بوصلة الطريق الصحيحة التي تُشير إلى أهداف وسياسات جادة وواضحة وقابلة للتحقيق، وهذا يعني ببساطة شديدة أن معرفة اتجاه الطريق الصحيح أهم من السرعة، فهل ينفع الركض إذا كنا في الطريق الخطأ !

فأُطر التعليم العالي لا تزال جامدة، وقوالبه يُعاد إنتاجها، دون أن تنتقل إلى التفكير النقدي، وتكون في الوقت نفسه قادرة على التحويل إلى أداة للتغيير في المجتمع، من خلال خلق الوعي المجتمعي، والربط بين الهموم الفردية والقضايا الوطنية أو ما يُسمى بالمواطنة الفعّالة .

كما أنه ليس من المبالغة القول أنه خلال مرحلة كورونا برزت فرصة سانحة لإصلاح التعليم العالي من خلال طرح المبادرات وتحديد المقاربات المستقبلية للتعليم العالي بليبيا، بُغية النفاذ إلى التحوّل الرقمي بشكلٍ أكثر عمقًا وفعالية، وربط التعليم العالي بالقطاعات المحلية، ليكون قادرًا على المساهمة الفعّالة في تغيير المجتمع نحو الأفضل، فالأزمات دائمًا ما تكون حافزًا للتغيير، والإخفاقات ربما تُشكّل نجاح إذا ما تعلمنا منها .

إلا أن واقع الحال يقول أننا لا نزال لا ندري ما هي وجهة التعليم العالي، أو إلى أين يقودنا ؟
والملاحظ في هذا السياق أن جُلّ دول العالم قد أدركت الحاجة إلى إعادة مستقبل التعليم العالي مع منطلقات الحداثة، فضلاً عن تداعيات جائحة كورونا، وبدأت هذه الدول بإتباع أساليب أكثر قدرة وفعالية على مجابهة أيّ تحدّيات أو أزمات قد تحدث مستقبلاً تعتمد على عدد من التقنيات المتطوّرة، حتى تضمن موارد بشرية راقية النوعية، وتمتلك الحد المطلوب من المعارف والفهم والمهارات المطلوبة، فضلاً عن تأصيل القيم الأخلاقية، فالغاية المرجوة من التعليم حسب تلك الأنظمة هو : إعداد خريج ابن وقته وزمانه، مؤهّل لمجابهة الإكراهات والتحدّيات، وقد غير ما بنفسه، ليبدل الضعف قوة، ويحول العجز مقدرة وفعلاً، ويخلق من اليأس أملاً فسيحًا .

وعند الرجوع إلى التعليم العالي في ليبيا ما قبل الجائحة وما بعدها من خلال قراءة الوقائع، وتدوين الملاحظات، وبالاستعانة بعددٍ من التقارير الصادرة عن الجمعية الليبية للجودة والتميّز في التعليم، يُمكن رصد عدد من الملاحظات، وهي :
• ينبغي الاعتراف بأن جُلّ الأزمات والتحدّيات التي تُواجه مؤسّسات التعليم العالي في ليبيا هي في الأصل عبارة عن تراكم لسنوات سابقة بعضها يعود إلى ما قبل 2011م، غير أنها سجّلت تزايدًا خلال مرحلة الانقسام الحكومي سنة 2014م، كما أنها ازدادت حدة في مرحلة جائحة كورونا وما بعدها .
• عدم القيام بأيّ مراجعة نقدية للتعليم العالي، حيث لا يزال التعليم العالي كما هو، لم يطرأ عليه أيّ تغيير، ولم يتعاطَ مع تداعيات الجائحة، من حيث إعادة تعريف البرامج التعليمية، أو القيام بمراجعة استراتيجيات التعليم والتعلّم، أو مراجعة آليات التقييم .
• مراجعة التوسّع في الجامعات، والذي لم يراعِ أدنى شروط وضوابط إنشاء الجامعات .
• لا تزال مؤسّسات التعليم العالي – وهنا قد أخص الجامعات – تُدار من خلال عقلية شخص رئيس المؤسّسة، فهو المسؤول الأول عن كل القرارات والمنشورات والتعميمات بها، دون إشراك أيّ أحد
• لا تزال مؤسّسات التعليم العالي تفتقر إلى وجود مجالس أمناء تشرف على وضع الخطط والسياسات لتلك المؤسّسات .
• الحاجة إلى وجود مخرجات تعلّم مستهدفة لجُلّ البرامج التعليمية، ومواصفات الخريجين يتم بناؤها وفقًا لمتطلبات سوق العمل، واحتياجات التنمية .
• اقتصار التحوّل الرقمي في جُلّ مؤسّسات التعليم العالي على عمليات التسجيل والقبول، وتنزيل، وإسقاط أو إضافة المقرّرات الدراسية .
• أصبحت برامج الجودة والاعتماد مجرّد وثيقة تحصل عليها المؤسّسة دون أن يكون لها أيّ قيمة مُضافة في جانبها التعليمي، أو الثقافي، أو المجتمعي.
• لا يزال الجانب الثقافي والمجتمعي مفقود في تكوين وممارسات مؤسّسات التعليم العالي .
• الافتقار إلى وجود إطار وطني للمؤهّلات العلمية، يتم من خلاله تحديد أو بناء مخرجات التعلّم المستهدفة.

* حسين سالم مرجين، كاتب من ليبيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.