حسين محمود التلاوي يكتب | الإسكندرية.. هل لا يزال ترابها زعفرانًا؟

0 364

الإسكندرية مدينة نشأت كبيرة؛ حيث حمله اسم أحد كبار الفاتحين في التاريخ الإنساني، ومنذ ذلك الحين، لم تفقد شخصيتها المميزة بين سائر مرافئ البحر المتوسط وجميع مدن مصر المحروسة وكل حواضر بلاد العرب والشرق الأوسط. ولا ريب أن الذي أطلق على هذه المدينة مسمى “عروس المتوسط” لم يستند إلى الدخان في تسميته هذه، ولكنه استند إلى تلك السمات التي حملتها الإسكندرية منذ نشأنها، وفي مقدمتها الكبرياء والاحتواء في الوقت نفسه.

رحلة اليوم الواحد؟!

ربما يكون ضربًا من الجنون أن يذهب المرء إلى الإسكندرية في واحدة من رحلات اليوم الواحد؛ فهذه المدينة لا تكفيها رحلة “السنة الكاملة” حتى للتعرف عليها واستشعار مذاقها، ولكن الأقدار ساقتني إلى الإسكندرية في واحدة من تلك الرحلات المختصرة؛ فقررت أن أجعلها سلسلة من “رحلات اليوم الواحد” تتنوع بين الصيف والخريف والشتاء للتعرف على ملامح السحر المتعددة لهذه المدينة، التي لا تفقد في أي من أيام السنة بهاءها ولا جاذبيتها.

بدأ الأمر بالانطلاق من مسكني في مدينة السادس من أكتوبر على الأطراف الجنوبية من محافظة الجيزة إلى موقف الميكروباصات المعروف بـ”موقف الإسكندرية” في شارع الهرم الشهير — ومسماه الرسمي شارع الأهرام — في قلب محافظة الجيزة. كانت النصيحة بأن أستقل الميكروباص بدلًا من القطار ضمانًا للسرعة، وكذلك كانت النصيحة بأن أستقل الميكروباص من هذا الموقف لا من موقف الميكروباصات في مدينة أكتوبر نفسها للسبب نفسه، وهو “سرعة التحميل”.

كان موعد لقاء رفقة الرحلة في الإسكندرية في محطة القطارات المعروفة بـ”محطة مصر”. وبالاستفسار والمشورة في الموقف الهرم، وجدت أن استقلال ميكروباص إلى موقف محرم بك المعروف باسم “الموقف الجديد” هو أفضل الخيارات على أن آخذ ميكروباصًا آخر عندما أصل إلى الموقف الجديد أذهب به إلى محطة مصر. فيما بعد علمت أن هناك ميكروباصات تذهب مباشرة من شارع الهرم إلى محطة مصر، ولكن لظروف فترة المصيف يندر وجودها.

تأخذني معالم الطريق الصحراوي الذي رغم مسماه فإنه يحمل الكثير من الأوجه الحضرية والزراعية خاصة عند مدينة السادات التابعة لمحافظة المنوفية ومن بعدها حدود محافظة البحيرة. في الطريق الصحراوي، صافي السماء في ذلك اليوم، أرى مصر وقد ارتسمت خطًا طويلًا يبدو وكأنه يستعرض ملامح المحروسة بأسرها؛ فهناك الملكيات الزراعية، والمنتجعات السياحية، وكذلك الاستراحات الترفيهية، والمدارس الدولية، بالإضافة إلى المساحات الصحراوية الواسعة، والمشروعات العمرانية الحكومية منها والخاصة السكنية منها والخدمية. أرى القرى والبلدات الصغيرة وكذلك العرب الذين يقطنون أطراف المدن وبدايات الصحراء، أو بالأحرى الذين وصلت المدن إلى محل سكنهم في الصحراء.

على الطريق الصحراوي، أرى مصر.

ثم تأتي الإسكندرية.

عندما تلوح بدايات العامرية، ومشروعات ما أعتقد أنه الغاز الطبيعي لا النفط، أدرك أنني قد وصلت الإسكندرية، قبل حتى أن أصل إلى البوابة الرئيسية للمدينة، ومن قبل بدايات العامرية تكون رائحة اليود البحرية تؤكد أن الإسكندرية باتت في الأفق. يصيح السائق قائلًا: “حمدًا لله على السلامة يا حضرات” في تعبير معروف الدلالة وهو البدء في جمع أجرة رحلة لم تخل من مناكفات بين الركاب حول تشغيل التكييف السيارة أو فتح النوافذ بأغراض التهوئة، وهي المناكفات التي ابتعدت كثيرًا عنها بوضع سماعتي الأذن في هاتفي المحمول وتشغيل المواد الصوتية التي اختارتها حالتي النفسية في تلك الرحلة.

في الطريق من العامرية إلى الموقف الجديد، ألمح الكثير من معالم الإسكندرية، وألمح البحر ممتدًا عند الأفق يعكس زرقته على السماء، وألمح كذلك الملاحات الواقعة في الجانب الغربي من الإسكندرية؛ تلك الملاحات التي لم أكن أدرك حجم اتساعها إلا عندما سار بي الميكروباص في الطريق المشقوق بينها لما يزيد على الثلث ساعة قبل أن يستقر به المقام في موقف محرم بك وفق اسمه الرسمي أو الموقف الجديد وفق المسمى الدارج له.

أصل إلى الموقف الجديد، ثم أستقل من هناك ميكروباصًا إلى محطة مصر. وأثناء سؤالي عن مكان الميكروباصات الذاهبة إلى محطة مصر، أدرك أن أهل الإسكندرية لا يطلقون عليه الميكروباص وإنما “المشروع”، وهو المسمى الذي يطلق حتى على الميكروباصات الذاهبة للقاهرة وليست المخصصة للانتقالات الداخلية فقط.

ومن هنا، تنتهي رحلة الذهاب، وتفتح الإسكندرية أحضانها على اتساعهما لاستقبالي أن الوافد من “مصر” في واحدة من رحلات اليوم الواحد.

في محطة مصر… حلوى حلوى في كل مكان…!!

على الطريق من الموقف الجديد إلى محطة مصر، ألمح من المشاهد ما يؤكد لي أن الإسكندرية مدينة مفعمة بالحياة، والأمر لا يتعلق بالموسم الصيفي، ولكنه يبدو واضحًا من وفرة الأنشطة القائمة فيها؛ مدينة ذات تاريخ وحياة… مدينة ذات زخم لا تستطيع أن تلتقط ملامحه أو تحدد أبعاده، ولكنك تتأكد من أعماق نفسك أنه موجود.

تتشابه الإسكندرية في نقاط عدة مع القاهرة في الزحام وكذلك في بعض طباع أهلها، وهذا طبيعي فالكل ابن المحروسة. ولكن المختلف في طبع أهل الإسكندرية عن أهل القاهرة هو احترام الخصوصية، وربما هذا عائد إلى أنها مدينة اعتادت على الغريب؛ فلم يعد يثير الفضول، وباتت الغرباء هم أصحاب الدار.

أصل إلى محطة مصر؛ فأجدها مبنى تاريخيًا لا أدري إلى أي عصر يعود تصميمه، ولكن كل ما أدريه هو أنه رائع التصميم. أدخله فأجده شديد الازدحام من الداخل، وإن كانت إجراءات الدخول تجري بانتظام رغم الزحام. أتطلع إلى الساعة فأجد أنه لا يزال هناك مساحة من الوقت قبل لقاء الرفقة. لكن ما ساءني في محطة مصر هو أن دورات المياه فيها شديدة الازدحام وليست على القدر الكافي من النظافة، كما أنها تخلو من مساحة لأداء الصلاة، وهو الأمر الذي أنقذني فيه وجود مسجد صغير في شارع مجاور كان هو المستراح إلى حين اللقاء.

تجولت في المنطقة المحيطة بمحطة مصر، فوجدت أن هناك الكثير من محال بيع الحلوى من كل الأنواع، ويبدو أن الإقبال شديد عليها؛ لأنه كانت توجد كذلك عربات جائلة تبيع الحلوى! ولكن أكثر ما جذب انتباهي كان الترام الشهير في الإسكندرية. كنت معتادًا على شكله بحكم كوني من خريجي كلية التربية بجامعة عين شمس والواقعة بمنطقة منشية البكري؛ حيث يوجد مترو مصر الجديدة وهو أشبه بالترام، ويطلق عليه الكثيرون تعبير “الترام”.

ولكن أن تستقل الترام في بلد الترام هو تجربة تستحق الخوض.

استقللت الترام لمحطة واحدة لا أكثر؛ فأنا في نهاية الأمر غريب، ولا أعرف الوقت الذي يستغرقه ما هو أكثر من ذلك، ومرتبط بموعد مع رفقة الرحلة.

كذلك تتسم الإسكندرية بالهدوء، على الرغم من أن واحدة من مناطق الجوار لمحطة مصر هي منطقة سوق عامة تكتظ بالبائعين، ولكن السمة العامة في الإسكندرية هي الهدوء والبعد عن استخدام مكبرات الصوت، بل إن صوت الآذان لم يكن يرفع بارتفاع مبالغ فيه، ولكن بما يكفي لتبليغ الآذان.

الهدوء… الفضيلة الغائبة في القاهرة…!!

شارع النبي دانيال… فجالة القاهرة

بعد ساعة من الانتظار تأتي الرفقة، ويكون الانطلاق نحو محطة الرمل من شارع النبي دانيال. لست أدري الخلفية التاريخية لهذه التسمية، ولم أبحث في الواقع. وحتى إن بحثت، فلا محل لذكر الخلفيات التاريخية لكل ما أقابله في عروس المتوسط لسببين؛ الأول هو أن هذا ليس دراسة تاريخية، والثاني هو أن ذكر الخلفية التاريخية لكل ما أقابله في الإسكندرية يعني أن هذا المقال سوف يتحول إلى مجلد؛ لأن لكل حجر تاريخًا في هذه المدينة ولا مبالغة في هذه المقولة.

لشارع النبي دانيال قصة مشهورة وهي قصة القضاء على حوانيت وأكشاك بيع الكتب، ولست أدري ما خلفية الأمر، ولم أبحث كذلك في تلك الخلفية، ولكن كل ما أذكره هو أنه بعد ثورة يناير، جرت أحداث في شارع النبي دانيال أسفرت عن إزالة الكثير من الأكشاك التي كانت مخصصة لبيع الكتب فيما سماه البعض “مجزرة النبي دانيال”، وهو يشبه ما حدث في منطقة الفجالة القريبة من ميدان رمسيس في قلب العاصمة المصرية، عندما تحولت مكتبات بيع الكتب في غالبيتها إلى محال لبيع الأدوات الصحية ومستلزمات الصرف الصحي المنزلي…!!

أسير في شارع دانيال سعيًا نحو محطة الرمل؛ فأرى مبنى البورصة، وأرى شارع كنيسة الأقباط، وأرى بقايا أكشاك بيع الكتب. يقولون إن الأماكن تترك في الذاكرة رائحة، ولشارع النبي دانيال ذاكرة عطرية قوية للغاية؛ فلا يزال يحمل بين جنباته رائحة الكتب القديمة مختلطة مع رائحة البحر القادمة من منطقة محطة الرمل مع الأوجه المختلفة للسائرين القادمين من مختلف بقاع مصر وخارجها.

ثم وصلنا محطة الرمل…

خرجنا من شارع النبي دانيال لنجد أنفسنا في مواجهة الكورنيش والبحر يمتد عبر الأفق وقد استكانت أمواجه في صورة مغايرة تمامًا لما هو عليه الحال في الشتاء عندما ينفلت عفريت الأمواج من عقاله فيذهب بها إلى كل مكان.

هل ترى الموج ساكنًا خشية من ضجيج المصطافين؟؟!!

أستقل ميكروباصًا — أو مشروعًا — يذهب بي إلى القلعة، وهي قلعة قايتباي الواقعة غرب المدينة. التي تأخذ شكل هلالين يشتركان في أحد الأطراف؛ بما يجعل لها لسانين.

عبقري استراتيجي من بنى هذه القلعة.

عبقري حقيقي؛ لأنها تكشف الإسكندرية بكاملها، وكذلك تكشف البحر كله أمام الحرس المرابطين لحماية هذا الثغر المهم والرئيسي للبلاد، والذي كان مهبطًا للكثير من الغزاة في محاولاتهم الفاشلة إخضاع هذا البلد عسكريًّا (قبل أن يكفوا عن الغزو العسكري وتبدأ محاولاتهم الآخذة في النجاح لإخضاعه اقتصاديًّا وسياسيًّا!!).

أتجول مع الرفقة في القلعة قبل الاستراحة على المقاعد المحيطة بها، ثم القرار بتناول الغداء. ولما كنت أنا الغريب عن المدينة، لم أقترح أي شيء، ولما كنا في الإسكندرية، فكان الاقتراح بتناول وجبة بحرية؛ حيث رفضت الرفقة أن أطلق على الوجبة “أكلة سمك”؛ لأن الوجبة البحرية لا تتكون من الأسماك ولكن من الجمبري وما شابه من مخلوقات بحرية.

انطلقنا إلى أحد المطاعم الشهيرة وهناك تناولنا “الوجبة البحرية”.

رائعة هي الأطعمة البحرية، عندما تؤكل على مرأى من موطنها الأصلي…!!

وبعد الطعام كانت النزهة الراجلة على الكورنيش…

الكورنيش… غروب يضيئ النفس…

عندما سرت على الكورنيش، خُيِّلَ إليَّ أنه بإمكاني أن أبقى سائرًا لأقطع الإسكندرية من أقصاها إلى أقصاها دون أـن أكل ولا أمل… إنه كورنيش الإسكندرية في لحظات العصاري…

لا أروع منه ولا أبدع…!!

يمكن أن تتعرض لبعض لسعات الشمس الصيفية التي لم تفقد عنفوانها…

يمكن كذلك أن تتعرض لسخافات بعض المصطافين…

يمكن أن ينال منك الإجهاد قليلًا بسبب رحلة السفر من القاهرة والتنزه والطعام…

ولكنك لا تفكر مطلقًا في الرحيل…

يمكنك أن تبقى سائرًا إلى ما لا نهاية على الكورنيش… تجلس قليلًا… تتأمل كثيرًا… ولكنك تبقى سائرًا، وكأن أحجار أرصفة الكورنيش تستحيل عجلات في ساقيك…

ربما هو التقاء أشعة الشمس بالبحر التقاءً خفيفًا يمس الروح، ويرفعها بعيدًا عن أية مؤثرات…

ربما هو مذاق الملح على شفتيك من موجة شاردة نثرت شذراتها هنا وهناك…

أو ربما الرفقة…

لا أحد يعلم…

ولكن ساعة الغروب عند كورنيش الإسكندرية بالقرب من شارع سعد زغلول هي لحظات لا تعوض…

لحظة ترتسم فيها أشعة الشمس الغاربة بكل تلوناتها على البحر؛ فتعطيه في اللحظة ألف لون وانعكاس…

لحظة تنتشي فيها النفس فترى في التقاء البحر والشمس أملًا في أن يتفاعل الماء مع النار بما يفتح بابًا نحو الجمال؛ فلا تنطفئ النار، ولا يتبخر الماء…

ولا يبقى سوى الجمال…

وتأتي رحلة العودة؛ حيث تصر الرفقة على أن تكون العودة من موقف الكيلو 21 غرب الإسكندرية عند العجمي، وهي المنطقة التي كانت قديمًا محل اصطياف الطبقات الميسورة قبل أن يضع العرب أيديهم على أراضي الدولة وتنشأ العشوائيات، ما دفع الصفوة إلى الرحيل عنها.

وفي طريق العودة أمر مرة أخرى بالملاحات، ولكن في ظلام ما بعد الغروب؛ فأراها مكانًا أسطوريًّا تكمن فيه روح الإسكندرية في لحظات استراحة لحين اكتمال القمر الذي كان بدرًا في ذلك اليوم، كي تبدأ رحلة جديدة في ليل الإسكندرية الذي لم أشاهده في هذه المرة، وإن عقدت العزم على أن يكون هو هدفي في الرحلة التالية.

أستقل الميكروباص عائدًا إلى القاهرة…

القمر يكتمل بدرًا عن يميني طيلة الطريق وكأن الإسكندرية أرسلته حارسًا لي في رحلة العودة…

ومن بعيد رأيت شعلة مشروعات الغاز الطبيعي أو ربما النفط، تتألق وقد راحت تبتعد حتى استحالت نقطة مضيئة في الأفق تخبر الجميع أن البحر يخفي الكثير وأن سطحه الدافئ أو البارد يخفي قلبًا مشتعلًا عبر عن نفسه في هذه الشعلة…

وعندما وصلت إلى نقطة التقاء طريق مصر الإسكندرية الصحراوي مع محور السادس والعشرين من يوليو طريق العودة الرئيسي لمدينة السادس من أكتوبر، أيقنت أنني تركت مدينة ذات شخصية وكبرياء لم يتداعى رغم ما يقال عن انتشار الرعاع بين المصطافين ورحيل الأثرياء والنبلاء عنها…

لا تزال الإسكندرية ذات كبرياء…

ليست متصابية، ولكنها غانية بجمالها وبحرها وغروبها…

ولا تزال تمارس احتواء الغريب وتتحلى بروح الترحاب لكل القادمين لترابها… الذي لا يزال بالفعل زعفرانًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.