د. أسامة السعيد يكتب | في المونديال .. كل يغني على ليلاه!

0 157

على مدى شهر كامل استمتعنا بمباريات كأس العالم، لكن متعة المونديال هذه المرة لم تقتصر على عشاق كرة القدم، بل امتدت إلى هواة التحليل السياسي والثقافي، الذين كانت أحداث المونديال بالنسبة لهم حافلة بالكثير مما يستحق التوقف عنده، ولا يقل إثارة عما يدور في استوديوهات تحليل المباريات.
المونديال الأول الذي تستضيفه دولة عربية، كشف الكثير من المفارقات التي تستدعي التأمل، وأولها تلك الإزدواجية التي صارت تتجلى بفجاجة في التفكير والسلوكيات الغربية، فإلى جانب تلك الإساءة لثقافة وتقاليد البلد والمنطقة المضيفة لكأس العالم عبر محاولات استفزازية لدعم المثليين، والتحايل من أجل رفع رموزهم، وجدنا تلك المشاعر العنصرية التي تكشفت في المباراة النهائية، والتي خسرتها فرنسا وسط “شماتة” الكثيرين لأسباب لا علاقة لها بكرة القدم.
تابعنا الاتهامات تلاحق المدير الفني للمنتخب الفرنسي ديديه تشامب، بأنه يكره العرب، ولا يميل إلى الاستعانة بلاعبين من أصول عربية أو مسلمة، في المنتخب الفرنسي الذي لم يكن يضم في صفوفه سوى ثلاثة لاعبين من أصول فرنسية فقط!! بينما الغالبية الكاسحة من التشكيلة كانت من أصول أفريقية بمن فيهم النجم الأول “إمبابي”، لكن ذلك لم يشفع لدى جماهير ووسائل إعلام فرنسية من ممارسة عنصريتها ضد اللاعبين الذين أضاعوا ضربات الترجيح، فوصفوهم بأوصاف نابية، وعيروهم بأصورهم “الزنجية” وتناسوا أن نفس هؤلاء اللاعبين كانوا أبطالا قوميين، قبل 120 دقيقة فقط من انطلاق المباراة!!
الأفارقة لم يخفوا مشاعرهم هذه المرة، وجاهروا بتمنياتهم الحارة أن يخسر المنتخب الفرنسي البطولة، ليس حبا في منتخب الأرجنتين ونجمه الأول “ليونيل ميسي”، بل كراهية في الماضي الاستعماري للفرنسيين، ورغبة في دعم دولة من الجنوب، استطاعت أن تناطح الاحتكار الأوروبي لأغلى الكئوس الرياضية، وتعلي صوت الدول النامية، ولو في كرة القدم.
المشاعر القومية أيضا كانت حاضرة إلى جانب الانحيازات الرياضية، فالتشجيع الجارف الذي حازه المنتخب المغربي، لم يكن مرده فقط الاستمتاع بالأداء المتميز لـ”أسود الأطلس”، وإنما كان مرده في كثير من الأحيان شعورا قوميا جارفا نحو منتخب عربي، وكأن القومية العربية أرادت أن تعلن عن بقائها على قيد الحياة، رغم مضي عقود على انحسار المد العروبي.
نفس المشهد تكرر مع المنتخب السعودي الذي ألهب المشاعر في مباراته الافتتاحية بالفوز على الأرجنتين، وكذلك المنتخب التونسي بهزيمته لفرنسا الدولة الاستعمارية القديمة، فكانت الاحتفالات في القاهرة لا تقل عن مثيلاتها في الرياض أو تونس العاصمة.
الدوافع الدينية فرضت حضورها كذلك في المونديال، فرغم أن كثير من الدعاة وأنصار التيارات الإسلاموية لا يتورعون عن مهاجمة كرة القدم، واعتبارها “لهو من الشيطان” ووسيلة لصرف الناس عن العبادة، وشغلهم عن أمور الدين، إلا أنهم وجدوا في المونديال هذه المرة مناسبة لدعوة المشجعين الذين توافدوا إلى قطر لتشجيع منتخبات بلادهم، وامتلأت صفحات السوشيال ميديا بأحاديث عن أعداد الذين يدخلون إلى الإسلام كل دقيقة، وأشاعوا إشهار النجم العالمي مورجان فريمان إسلامه، فقط بعد حضوره مباراة الافتتاح!
هؤلاء أيضا وجدوا في وصول فرنسا إلى المباراة النهائية، فرصة سانحة لإعادة الهجوم على الحكومة الفرنسية وسياسات الرئيس إيمانويل ماكرون تجاه قضية الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، وكالوا الدعاء على فرنسا، وفسروا خسارتهم للكأس بأنها “انتقام من السماء”، ونسوا أن كل الدول العربية والإسلامية- باستثناء المغرب- خرجت من الدور الأول للبطولة!
هذه المشاهد وغيرها تؤكد أن الكثير من التفسيرات غير العقلانية، والمشاعر العاطفية هي التي تتحكم في سلوكياتنا وقراراتنا وانفعالاتنا، وأن ما نظنه حقيقة أو قضية محسومة، مثل اعتقادنا أن كأس العالم لكرة القدم كان بطولة رياضية فقط، هو أمر يحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر، فكرة القدم مثلها مثل كل شيء في الحياة يحتمل أن ننظر إليه من زوايا مختلفة، وربما كان ذلك أحد أسرار تلك الساحرة المستديرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.