د. بهي الدين مرسي يكتب | لو لم أكن مصريًا

0 460

لنبدأ الحديث بطرفة تقول بأنه إذا قيل إن فلاناً عظيم… فهل تدري كيف يُسأل عنه؟

يسأل الأمريكي: كم تبلغ ثروته؟ يسأل البريطاني: ما هي مؤهلاته العلمية؟ ويسأل الياباني: ماذا عن خبرته؟ أتدري عما يسأل العربي: من أبوه؟!
لا بأس … فنحن معشر العرب عرقيون بطبعنا، نعتز بجذورنا، بل راح البعض منا يتشدق بحضارة الفراعنة، وتراه وهو جالس على المقهى يشد الشيشة، وينظر للأهرام بفخر ويقول في نفسه “إنها حضارتنا، حضارة الفراعنة” مع أنه بلا عمل منذ تخرجه ولم يشارك في الحضارة من قريب أو من بعيد، بل لم يكنس حتى بقايا البصل والفسيخ بعد أن أكل بجوار أبي الهول.

قرأت دراسة بحثية لطيفة أجريت على الجواسيس الذين خانوا أوطانهم، وكنت أظن أنهم قبلوا مبدأ الخيانة لقاء أموال طائلة، لكن تبين من الدراسة أن أي من هؤلاء الخونة لم يتقاض أكثر مما متوسطة عشرة آلاف دولار، وهو مبلغ لا يكفي لزحزحة العقيدة (لأن الخيانة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة)، حتى وإن كان الخائن إفراز بيئة فقيرة وفي أشد الدول فقرًا، بل يمكن للغالبية تدبير هذا المبلغ وربما أكثر منه ببعض الكدح والاجتهاد، وتأمل أي فقير حولك واسأله: كم يرضيك لتخون بلدك؟ سيجيبك: ولا كنوز الدنيا.

لكن هناك من قبل الخيانة بالفعل، وهنا أثبتت الدراسات النفسية أن القاسم المشترك بين هؤلاء الضحايا (وأعني أنهم ضحايا) أنهم فقدوا الانتماء تجاه أوطانهم.
وأود تذكير القارئ بالفارق المعنوي بين لفظي “الولاء” و”الانتماء”، فقد جاء في مختار الصحاح أن (الانتماء) هو القرابة، النصرة، التتابع، وهنا يتضح لي أن انتمائي لمصر هو محصلة لميراث الهوية، وما سبقني وتبعني من أوراق ثبوتية.

إلى هنا لا قيمة أو دلالة (لانتمائك) سوي أنك “رقم” لبطاقة ضمن السجلات… أما الولاء، فهو القيمة الحقيقية في العلاقة مع الوطن، ويعني الميل العاطفي والوجداني للوطن، إذن فهو الحب حتى الاحتواء.

دعوني أدلل على صحة حديثي بالفنانين غير المصريين، فبالرغم من أن انتماءهم (أي تبعاتهم) لجنسيات غير مصرية، إلا أن ولاء بعضهم تعاظم حتى أوصي بدفنه في مصر مثل فريد الأطرش والنابلسي وفايزة أحمد وغيرهم.

هذا هو الفرق بين الانتماء والولاء… فكلنا مصريون بالانتماء، ولكن هيهات أن يكون الولاء من نصيب الجميع.

كنت أظن أن الغربة هي أن تبتعد عمن تحب، نعم، فقد كانت تجربة السفر لمدة عام بدون أسرتي للمرة الأولي تجربة قاسية، ولم أشأ أن تستمر تلك التجربة المريرة، فحسمت أمري وعُدت لأبقي مع أسرتي. ولأني كنت بحاجة للسفر مرة أخري لتدبير مواردي، فقد قررت ألا أغادر بدون أسرتي، وسافرنا سويًا، ومرت أسابيع وانتابني ذات الشعور المرير بالغربة. كنت في السابق أفكر في زوجتي وابني، وبينما هما بصحبتي، ها أنا أفكر في شوارع القاهرة، خان الخليلي، منيل الروضة، المقهى الذي اعتدت الجلوس إليه مع رفقائي، ميدان التحرير، مكتبة مدبولي، الشاي والجاتوه في جروبي… يا إلهي.. لا أزال أسرح في أرجاء الوطن وأعيش ذكرياتي وأنا يقظ، وقبل النوم. وعُدت أتأمل أحوالي لأكتشف أن الغربة ليست غربة الأهل، بل غربة الأوطان.

قد ينتابك نفس الإحساس بالغربة وأنت في وطنك، غربة الوطن، وهو إحساس ينتاب أولئك الذين فقدوا حنان الوطن من فرط المعاناة وصعوبة العيش، فأصبحوا أغراباً في بيوتهم. إنه إحساس أشد ضراوة من الغربة خارج الوطن.

جاء في بريدي الإلكتروني رسالة مصورة تحكي قصة شاب فلسطيني خائن تم إطلاق الرصاص عليه، وكانت الرسالة في سلسلة صور متتابعة لا تحرك لديك الدهشة، فهي القصاص لخيانة الوطن، ولكن جاءت الصورة الأخيرة لتكمل المعني، فقد كانت صورة لأُم ذاك الشاب الخائن وقد حضرت مشهد القصاص وكانت اللقطة الختامية وهي تدوس بقدمها رأس ابنها بعد إعدامه وتبصق عليه، هذه هي الأمومة، فالابن الأغلى دائمًا هو الوطن، وتُدرك هذا المغزى عندما يناديك من حولك في الغربة “يا ابن النيل”.

والآن عزيزي القارئ، هل أدركت ما أصبو إليه؟ نعم هو كذلك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.