د. بوناب كمال يكتب | فلسفة المقاومة في مسلسل لا كازا دو بابل

0 171

لا كازا دو بابل (La Casa De Papel) هو مسلسلٌ إسباني حصلت شبكة “نتفليكس” على حقوق بثّه في ديسمبر 2017؛ وفي غضون بضعة أشهر أصبحت السّلسلة من أكثر البرامج التلفزيونية غير الإنجليزية مشاهدةً في العالم، ويعلّق المؤلف والمنتج التنفيذي أليكس بينا (Alex Pina) على النجاح غير المتوقّع لمسلسله قائلا “لقد أدركنا أنّ الناس لديهم علاقةٌ بالعرض تتجاوز مجرّد الترفيه، إنّ الأمر أشبهُ برباطٍ فلسفي”؛ وبالفعل أصبحت الجمبسوت الحمراء وأقنعة سلفادور دالي وأغنية بيلا تشاو (Bella Ciao) تجذبُ انتباه الجماهير، إذْ أنّ القناع والزي والأغنية تمّ تبنّيها وتوجيهها في جميع أنحاء العالم كرموزٍ للاحتجاجات وخدمة قضايا الحقوق المدنية ومطالب الحركات النسوية والعدالة البيئية.
من الشخصيات المفضّلة للجماهير، في المسلسل، هو أندري دو فونولوسا (Andrés de Fonollosa) والمعروف باسم برلين (Berlin)؛ والذي تطغى عليه صفاتُ النرجسية و كُره النّساء؛ وهو في ذلك ينحرفُ بشكل حاد عن شخصية جذابة أخرى وهي سيرجيو ماركينا (Sergio Marquina) الملقّب بـ البروفيسور (The Professor)، والذي يلتزمُ بمعاييرٍ سلوكية صارمة، مثل: لا تقتل، لا تسفك الدّماء؛ ويبدو أنّ برلين قد اضطرّ إلى الإذعان لهذه المعايير إلا أنه ينتهكها كلّ ما كان ذلك مناسبًا له، وعلى الرّغم من هذه الاختلافات بين الشخصيتيْن، فإنّهما مُرتبطتان سويًا بموضوع المقاومة.
المقاومة مفهومٌ شائع في تاريخ البشرية؛ ويشير إلى التحمل الجسدي والمعنوي في الصراعات والحروب، ويُعرض في الفقه السياسي كحقٍّ في معارضة السلطة غير الشرعية؛ أمّا في الفلسفة فتصنّف المقاومة على أنها جانبٌ من جوانب الفضيلة والحِكمة العَمَلية.
“برلين” و”البروفيسور” يُمثّلان بلا شكّ موضوعاتٍ مُحرجة؛ فبعد سرقتهما للأموال، نكتشفُ أنهما إخوةٌ من عائلة فقيرة وسيئة الحظ؛ ويعانون من أمراض خطيرة، وقد أمضى والدهما وقته في التخطيط لعمليات السطو لتزويد أبنائه بأفضل العلاجات الطّبية، وانتهى به المطاف مقتولًا أمام أحد البنوك؛ وتظهر المقاومة حين يتفاعل برلين والبروفيسور مع ظروف حياتهم السيئة بالإبداع والقوة، إذْ ساهمت أوضاعهم المزرية في تعزيز فضائلهم المعرفية، بما في ذلك التفكير النقدي والوضوح والحكمة العملية؛ وهي ذات الحيثيات التي أشار لها خوسيه ميدينا (José Medina) في كتابه “إبستمولوجيا المقاومة” سنة 2013، إذْ أنّ توسيع الآفاق المعرفية سيؤدي إلى تحسين ظروف الأشخاص المعرّضين للقهر والتمييز والتّهميش، فزخمُ العاملُ المعرفي سيصنع تشكيكًا في مشاعر الدّونية.
من وجهة نظر أخلاقيات المقاومة، يمكن اعتبار برلين والبروفيسور على أنهما شخصيْن فاضليْن وجديريْن بالاحترام، فقد فحصا بعمق آليات تداول الأموال، وتوصّلا إلى إعادة توزيع الثروة والمعرفة بين مجموعة من الأشخاص ذوي التعليم الضعيف والمُهمّشين.

* د. بوناب كمال، أستاذ محاضر في كلية العلوم السياسية بجامعة عنّابة، الجزائر.

المقال نقلًا بتصرف عن:
Caterina Del Sordo. Money Heist: The Philosophical Bond of Resistance. The Blackwell Philosophy and Pop Culture Series, June 15, 2021

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.