د.محمد صلاح البدري يكتب | الصحة بين العام والخاص

0 197

ربما كان التحدي الأكبر الذي يواجه كل المهتمين برسم السياسات الصحية في العالم عبر كل العصور هو فكرة حساب التكلفة للخدمات المقدمة للمريض. والتي أعتقد أنه قد حان الوقت أن يتم تصحيح بعض المفاهيم المتعلقة بها. خاصة بعد أزمة هذا الكوفيد، والتي أبرزت قيمة حساب تكلفة الخدمة، وأنها ينبغي أن تشمل بجانب المستهلكات والأدوية حساب الأجور العادلة للعاملين في القطاع الصحي، بل والربحية أيضًا إن كانت الخدمة تقدم من القطاع الخاص.
إشكالية كبيرة يقع فيها كل من يحاول أن يفتح هذا الملف الشائك، فالرعاية الصحية حق يكفله الدستور وتلزمه الإنسانية نفسها. والحصول عليها ينبغي أن يخرج من معايير السوق التنافسية في العرض والطلب، ليظهر مفهوم «الإتاحة» التي لا ينبغي أن ترتبط بما يمتلكه المريض أو ما يتمكن من الحصول عليه بماله الخاص.
تقرير مثير للاهتمام أصدرته شركة “جونز لانج لاسال” المهتمة بالاستثمار الطبي منذ عامين تقريبًا يفيد أن القطاع الخاص الطبي في القاهرة قد أصبح يستحوذ على 73% تقريبًا من المستشفيات والمراكز الطبية الموجودة بها. التقرير نفسه يشير إلى أن القطاع الخاص الطبي في مصر يتركز جغرافيا في العاصمة بنسبة تقارب الـ 80%، بالإضافة إلى تجارب قليلة في بعض المدن القريبة منها والتي ترتبط بالعاصمة بشكل مباشر.
هذا الانتشار الغريب علي معظم مخططي السياسات الصحية في العالم كله أدي إلى اتساع الفجوة بين الإتاحة والاحتياج، وأبرز مفهومًا جديدًا يفيد بتحويل الصحة إلى سلعة تخضع لقواعد العرض والطلب. وتلغي فكرة التنافس في جودة الخدمة، ليتحول الأمر إلى فكرة الحصول علي أكبر ربح ممكن.
الأزمة برزت واضحة في العامين الأخيرين مع انتشار فيروس كوفيد، وارتفاع تكلفة الخدمة في المستشفيات الخاصة التي وجدت ضالتها في مرضي كوفيد.
الاستثمار في الصحة لا يمكن إطلاقه دون ضوابط حاكمة للجميع، أهمها ضمان الاستمرارية والجودة والأمان، وهي أمور تلتبس على كثيرين ممن يروجون لفكرة وجود فجوات تمويلية في الخدمات الصحية ينبغي أن يتم تعويضها بدخول القطاع الخاص بأي شكل!
الاستثمار في المجال الصحي يهدف إلي توفير الخدمة بأجر محمل بالربح، ولكنه في واقع الحال لا يغلق الفجوة التمويلية أو يحقق إتاحة فعلية للخدمة، فالتوزيع الجغرافي للقطاع الخاص لا يأخذ في الاعتبار احتياج منطقة بعينها دون غيرها، فلن يفكر مستثمر في الذهاب إلي الصعيد مثلا لإنشاء مستشفى، بل يبحث دائمًا عن العاصمة التي سيجد بها من يملك أن يدفع ثمن الخدمة، الأمر الذي يسهم في اتساع فجوة العدالة الاجتماعية وليس السيطرة عليها.
الدولة من جانبها تحاول بكل قوتها أن تسيطر على الأمر، السلاح الأهم كان في مشروع التأمين الصحي الشامل الذي يعول عليه الكثيرون لمواجهة هذا الخلل. ليبقي السؤال الأهم وهو: هل سيتمكن من المواجهة؟ الإجابة تصبح نعم في حالة واحدة؛ هي توافر إرادة حقيقية في تنفيذ المخططات الصحية المرسومة دون تراجع أو مواربة، مع تواجد آليات واضحة للتنفيذ تحميها مظلة تشريعية واضحة وثابتة، مظلة تسمح للقطاع الخاص بهامش ربح “ثابت” ومراقب يخضع للمتابعة والتقييم.
الحل يكمن في الاعتراف بقصور حساب التكلفة الحكومي المتمثل في القيمة المالية للعلاج على نفقة الدولة الذي يظلم الطبيب والمريض معا، والذي يتناسى معايير العرض والطلب على عناصر المنظومة من أطباء وصيادلة وتمريض، ليتمكن القطاع الحكومي من تقديم خدمة تنافسية بجودة مقبولة يمكنها أن تصمد أمام الخدمات الخاصة.
إن القطاع الخاص شريك أساسي في الرعاية الصحية في كل دول العالم، ولكن غياب الدور الحكومي في العلاقة بينه وبين المواطن هو الإشكالية الحقيقية التي ينبغي أن تتم السيطرة عليها بأسرع وقت.

* د. محمد صلاح البدري، أستاذ بطب المنيا، وعضو مجلس الشيوخ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.