راجية الفقي تكتب | التحول من استهلاك المعرفه إلى انتاجها

0 148

تشكلت النظريات الاقتصادية على مدار التاريخ نتيجة لملاحظات ودراسات الاقتصاديين وتطورات النشاط الاقتصادي في المجتمعات الإنسانية. وقد اعتمدت تلك النظريات على التحولات في الحياة الاقتصادية والانتقال في الأهمية من نشاط إلى آخر، مثلا مع تراجع أهمية النشاط الزراعي ازدهرت مكانة الصناعات التحويلية. ومع بزوغ أهمية النقود في التعاملات التجارية ووجود البنوك أدى ذلك إلى تطور النظريات الخاصة بالسياسات النقدية والعملات وظهرت المفاهيم التي تفسرالتضخم والانكماش.
شهد القرن العشرون تطبيقات واقعية للعديد من النظريات الاقتصادية. نظريات تعتمد على الفلسفه الرأسمالية واخرى تنتهج النظام الاشتراكي والقيم الاشتراكية، ولا شك أن التحولات في الحياة السياسية ادت إلى تعديلات في المنظومة الاقتصادية في العديد من البلدان ودفعت إلى متغيرات في قيم النظام الاقتصادي العالمي وإلى تبني مفاهيم جديدة تؤكد أهمية قيام الدولة بدور حيوي في الحياة الاقتصادية.
يُشار إلى أن التطور الاقتصادي في النصف الثاني من القرن العشرين ازداد زخماً بفعل الاختراعات والإبداعات في مجالات التكنولوجيا والعلم والمعرفة. وأدت ثورة الإعلام والاتصالات منذ العقد الثالث من القرن العشرين إلى تمكين الأعمال الاقتصادية من تطوير العلاقات بين المؤسسات وبين الدول وزيادة أهمية الإعلان الذي يمكن المستهلكين من التعرف على السلع والخدمات.
من هنا تجلت النظرية الاقتصادية الحديثة التى تقوم على فكرة أن المعرفه هي رأس المال الحقيقي، وأن الثروات تتولد عن طريق التراكم المعرفي والأبحاث والتطور التكنولوجى والتطوير والإبداع. بل وأن الكثير من المفكرين يعتبرون أن المعرفة هي الفريضة الغائبة التى يحض عليها الدين والثقافة والتاريخ، وأنه لا يمكن أن يشيد مجتمع قوي إلا بأن يكون قائم على المعرفة، وبعد أن تحول اقتصاد العالم الحديث الى اقتصاد معرفي فقد أصبح تقدم أي مجتمع في عالمنا المعاصر يقاس بمعايير القدرة على إنتاج المعرفة وتحديثها وتراكمها. ونرى تطور المجتمع في نشاطه من الصيد وجمع الثمار إلى الزراعة ثم الثورة الصناعية حتى وصل في أواخر القرن العشرين إلى الثورة المعلوماتية وصولاً بأن أصبحت المعلومة أحد أهم أركان العملية الإنتاجية.
إن ثورة المعلومات التي نعيشها الآن، ما هي الا تكرار لما حدث سابقاً فقد تغيرت السلع الاستراتيجية من المنتجات المصنعة إلى المعلومة وتحولت قوى إنتاج من عمال الصناعة إلى عمال المعرفة وتحول المجتمع من المجتمع الصناعي إلي مجتمع المعلومات (المعرفة) ومجتمع الانترنت، وهذا أدي إلي خلق اقتصاد المعرفة حيث تحول الإنتاج القومي ليصبح إنتاجا يقوم علي أساس الزيادة في مجال السلع والخدمات ورؤوس الأموال والأفكار والبشر. ونجد أن التقارير العالمية بدأت منذ فترة في رصد معدلات اقتصاد المعرفه على مستوى الناتج الاجمالي العالمى وايضا معدلات النمو في هذا الاقتصاد والتي رصدتها الامم المتحدة بنحو 10% بل ويبلغ حجم النمو الاقتصادى المعتمد على نمو المعارف الجديدة بنحو 34%، بالاضافة الى الاتجاه العالمي نحو الاستثمار في رأس المال الانساني من خلال التعليم والذي يبلغ حوالي 16%، ويمكن القول إن 50% من النمو الاقتصادي متعلق بالمعرفة.
هنا يتساءل الباحثون حول هل أن المعلومات وحدها هي القوة؟ والاجابه هى بالطبع لا فإن قوة المعلومة تكمن في التمكن من الحصول على مكوناتها ومعالجتها واسترجاعها استخدام أدوات تقنية المعلومات بإجادة، كما أن التقنيات وحدها لا تكفي، بل يجب الاهتمام بالعلم والعنصر البشرى ووعى المجتمع بأهمية التحول لمجتمع المعرفة.
تجدر الاشارة إلى أن التحول نحو اقتصاد المعرفة يتطلب بعض الخطوات التي يجب أن تتبعها الحكومات بوضع استرتيجيات التحول وأن تساعدها التشريعات لتحقيق هذا التحول ومنها:
إعداد وخلق البنية التحتية المناسبة والفعاله المعتمدة على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لأن توفير تلك البنية التحتية ستحفز عمليات تدفق المعلومات وتسهل عمليات الاتصال الفعال ونشر ومعالجه المعلومات وتطبيق معايير الجودة العالمية الملائمة ،الامر الذى سيتبعه توفير بيئة جيدة لمنظومة الابتكار ومراكز الأبحاث والجامعات والمستشارين والمنظمات الأخرى، للدخول الى المخزون العالمى المتنامى للمعرفة، واستيعاب هذه الابتكارات وتكيفها مع الحاجات المحلية وخلق تكنولوجيا جديدة.
أيضاً من الهام جداً أن يتم تدريب الايدي العاملة المتعلمة والماهره من أجل خلق واستخدام ومشاركة المعرفة بشكل جيد.
هناك اربعه ركائز أساسية لقياس المعرفة يعتمد عليها مؤشر معهد النيل الدولى للمعرفة من أجل برنامج التنمية هذا المؤشر الذي يتم من خلاله تقييم الدول التى تريد التحول الى مجتمع المعرفة لتصبح أكثر تنافسية وتحسن من معدلات النمو والرفاهية وتتمثل في: الحوافز الاقتصادية والنظم المؤسسة. والإبداع والابتــــكار. والتعليم والموارد البشرية. وتقنية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
أخيرًا فإن إعادة بناء الاقتصاد بناء معرفياً هو المقصود به الانتقال من التركيز علي الإنتاج القائم علي الموارد الطبيعية ورأس المال والعمالة إلي التركيز القائم علي إنتاج واستثمار المعرفة لتوليد القيمة المضافه للاقتصاد القومي من خلال البحث والتطوير وتوظيف العلوم والتكنولوجيا، ولا تنحصر أو تتوقف على متطلبات إنتاج المعرفة لتحقيق اقتصاد معرفي، عند تحقيق التعاون والشراكة والتكامل بين الوزارة والقطاعات المختلفة بل يتعداه إلي تطوير مناهج وأساليب التعليم وتعزيز البحث العلمي والإنفاق عليه وتوجيهه لخدمة الاقتصاد القومي وإدراك أن المعرفة مصدر متجدد ويتراكم بالاستخدام والتوظيف والابتكار.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.