رامز الشيشي يكتب | بوتين وفخ الغرب

0 1٬060

مع تصاعد حِدة الأزمة الأوكرانية، وتصاعد تحذيرات الرئيس الأميركي جو بايدن الموجهة لبوتين بشأن العقوبات الاقتصادية الغربية حال غزوه لأوكرانيا. نجد حالة من الترقب عند الرئيس الروسي بوتين لدفع أوروبا إلى حرب برية مُحتملة لم تشهدها القارة منذ الحرب العالمية الثانية. فالرجل ذو نزعة قومية روسية وضابط الكي جي بي السابق “المخابرات السوفييتية”. ومن الناحية النفسية، هو أسير الماضي بلاده العنيف وتطورها المُتقزم، ينظر إلى الأحداث من حيث تطويق الأعداء والقبلية واستعادة المجد القديم للاتحاد السوفيتي. ومن وجهة نظره حول الشؤون العالمية هناك شعور روسي تقليدي وغريزي بانعدام الأمن؛ حيث ينظر إلى بقية العالم على أنه عدائي وهذا يوفر ذريعة “للديكتاتورية” التي بدونها لا يستطيع إحكام قبضته على الداخل الروسي.

وفي مواجهة موسكو التي يرأسها رجل قوي يسعى إلى العدوان والتوسع (ضد أوكرانيا) على غرار جورجيا في ٢٠٠٨، شبه جزيرة القِرم ٢٠١٤. فإن فحوى السياسة الأمريكية تجاه روسيا –على حد تعبير جورج كينان– “ستكون سياسة احتواء جديدة طويلة الأمد”. ولتحقيق هذا الهدف، تعمل واشنطن على حشد قواته على “مركز الثقل” في موسكو، وهو المصطلح الذي استخدمه الجنرال الألماني كلاوسفيتز والذي يدل على مصدر قوة خصمك والنقطة التي ينبغي توجيه كل الطاقات ضدها، وهذا من شأنه أن يكون اقتصاد روسيا الذي يُعانى من اضطرابات.
وبالعودة لتاريخ الحرب الباردة سنجد أن الضعف الاقتصادي في مرحلة ما في القرن الماضي أجبر موسكو على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. روسيا الاتحادية تتشارك مع بعض نقاط الضعف الرئيسية التي عانى منها الاتحاد السوفيتي، الذي سعى في نهاية المطاف إلى التفاوض لأنه لم يعد قادرًا على تحمل تكاليف سباق تسلح باهظ الثمن مع الغرب. روسيا مُعرضة اليوم للتقلبات في أسعار الغاز والنفط العالمية، وهي تدرك المشاكل الناجمة عن افتقارها إلى التنمية واستمرار اعتمادها على صادرات المواد الخام، ودعم الصين المستمر لها منذ غزو روسيا للقرم. فهي ترغب في أن يرفع الغرب العقوبات الاقتصادية المفروضة بعد عام 2014، وتحتاج إلى استثمارات غربية والوصول إلى الأسواق الغربية لتحقيق النمو الاقتصادي.
وفي هذا السياق، يعمل بايدن على دفع موسكو نحو غزو كييف، وفي الوقت نفسه، يعلم بوتين أنه إذا واجه غربًا واثقًا من نفسه، فإنه يسعى في نهاية المطاف إلى الحوار وربما حتى الانفتاح. وبالتوازي مع ذلك، حتى لو رمش بوتين ولم يَغْزُ كييف فإن الولايات المتحدة وحُلفاءها بحاجة إلى إبقاء موسكو بعيدة عن المشهد الدولي الراهن؛ لتتمكن من مواجهة الصعود الصيني بشكلٍ منفصل.. واشنطن تسعى من خلال سياسة الاحتواء الجديدة إلى إضعاف القوة الاقتصادية الروسية في جوهرها. إغلاق أو تعليق مشاريع مثل خط أنابيب النفط نورد ستريم، والتحقيق مع القلة الروسية ومعاقبتها على الفساد في الخارج، واستبدال النفط الروسي بمصادر أخرى، تقييد صادرات أشباه الموصلات إلى حد كبير ليست سوى بعض التدابير التي سيعمل الغرب على استخدامها لتقييد بوتين وإجباره في نهاية المطاف على البحث عن تسوية. ويمكن تعديل هذه التدابير اعتمادا على سلوك موسكو في الأيام القادمة.
وختامًا لذلك، إذا أراد بوتين ضمان صعود روسيا كقوة عظمى مجددًا وتغيير النظام الدولي الراهن، فمن مصلحته ألا يسعى لخوض حرب مفتوحة مع الغرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.