د. زياد عبد التواب يكتب| حتى نقهر الموت

1

ألقى الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور محاضرة في عمان عاصمة المملكة الاردنية الهاشمية تحت هذا العنوان في عام 1966 استهلها بالتصريح بأنه لا يقهر الموت إلا الحجر والكلمة، قال ذلك مستشهدًا بالأهرامات العظيمة وبكتاب الموتى بل أنه قد ذهب إلى أن الحجر يبلى ويتآكل بفعل الزمن فيما تستمر الكلمة خالدة.

تذكرت تلك المحاضرة كلما مررت على أخبار الحديث عن الوعي وأهميته وكيف أن أمة بلا وعى هي أمة بلا ماض ولا حاضر ولا مستقبل، وهنا وجدت أنه ربما يجب أن نصحح المقولة السابقة الخاصة بالكلمة فالكثير من الكلمات والأحاديث قد تعطى نتائج عكسية حيث تساعد في تغيب الوعي وتدفع العقل إلى غيابات هوة سحيقة تصيبه بالشلل وعدم القدرة على التحليل والفرز والخروج بصيغ عصرية للأفكار والمعتقدات الراسخة منذ أماد طويلة.

لا أستطيع أن أنكر هنا دور أساليب التعليم التي اعتمدناها لعقود طويلة والتي تعتمد على التلقين والحفظ وتدفع مصححو الامتحانات الى اللجوء الى اجابة نموذجية واحدة لكل سؤال يطرح في تلك الامتحانات حيث يكون أي حيود عن تلك الاجابة النموذجية هو خطأ كبيرا يستوجب تقليل الدرجات وصولا الى الصفر الكبير.

هذا الأمر يتغير الان مع تغيير المناهج الدراسية واعتمادها على الفهم والتحليل أكثر من اعتمادها على الحفظ والتلقين وفى الحقيقة فان هذا الأمر ليس مهما لتحليل ما حدث في الماضي فقط بل أنه قد أصبح ضرورة مُلحة في العصر الذي نحيا فيه الان والمعروف بعصر المعلومات وشبكاته الممتدة حيث تتاح للجميع الفرصة للاطلاع على الكثير من الاخبار والمعلومات وقواعد البيانات المرتبطة بها كما تتيح تواصلا اجتماعيا غير مسبوق يشترك فيه حاليًا ما لا يقل عن 3 مليار انسان حول العالم.

علوم المستقبل ووظائفه ستعنى عناية كبيرة بالقدرة على تحليل هذا الكم الكبير من البيانات والمعلومات للوصول الى المعرفة من خلال ما يسمى تحليل البيانات الكبيرة Big Data Analysis ثم تأتي المرحلة التالية لتحليل كل تلك المعارف وادارتها Knowledge Management وصولا الى الحكمة Wisdom وهى امور لا يستطيع العقل البشرى استيعابها وانتاجها بدون اللجوء الى ادوات واليات الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence وذلك لإيجاد علاقات بين كل تلك البيانات والمعلومات وهذا الزخم المعرفي الكبير يستحيل على العقل البشرى ايجادها بمفرده.

هذا الربط شديد الوجاهة بين تحليل ما جرى وما سبق وتحليل ما يجرى، وبين الخلود وقهر الموت دق ناقوس الانتباه الى ضرورة وحتمية الانتقال الى هذا النمط من أنماط بناء الوعي.

على المستوى الشخصي نتذكر جميعًا كلمة أو موقف مر بنا مع أحد الاحباء الذين رحلوا منذ سنوات عدة فنشعر بوجودهم ونكرر امتناننا لهم لأنهم ساهموا في تشكيل وجداننا وما نحن فيه.

تعليق 1
  1. سعد طه يقول

    ربط متميز بين الوعي والمعلومات والخلود

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.