سعيد جميل تمراز يكتب | سنوات من تأميم قناة السويس (1-4)

0 71

اتخذ الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، من التمصير والتأميم دافعًا للتحرر الاقتصادي من سيطرة الأجانب على الاقتصاد المصري في جميع قطاعاته، ولكي يتم إخضاع الاقتصاد الوطني لخدمة القضايا السياسية الوطنية وتحقيق التنمية، بدأ الرئيس عبد الناصر بتمصير المصالح الأجنبية، مثل البنوك وشركات التأمين التي كان يسيطر عليها الأجانب، ثم تأميم قناة السويس التي كانت تحت سيطرة الأجانب.
وضمن سياسة التمصير التأميم جاء قرار الرئيس جمال عبد الناصر في 26 تموز (يوليو) 1956م، بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية كشركة مساهمة مصرية، وذلك بعدما احتكرت الشركة الأجنبية امتياز القناة والسيطرة على مواردها منذ حفرها عام 1869م، بينما مصر صاحبة القناة الفعلية والشرعية لم يكن لها دور يذكر في الادارة، ولم تحصل الا على مبالغ ضئيلة من ايرادات القناة التي بلغت 34 مليوناً من الجنيهات الاسترلينية عام 1955م، وكانت حصة مصر مليوناً واحداً، وجاء قرار التأميم مصريًا من أجل استعادة حق مصر في ادارة القناة وايراداتها، وحرصت مصر وهي تسترد هذا الحق على المحافظة على المواثيق الدولية وكل الاتفاقيات الخاصة بحرية الملاحة في القناة.
إن مصر استخدمت حقاً شرعياً كدولة مستقلة ذات سيادة، بهدف تحقيق مصلحة عامة، ولاعتبارات تتعلق بالأمن القومي، ولم يكن الأمر في حقيقته تأميما للشركة، أو ردا لمستحقات مالية للمساهمين بها، ولكنه كان تعبيراً عن قيام تغيير استراتيجي عميق بمنطقة الشرق الأوسط تمثل في تأكيد مصر لسيادتها على أراضيها بما فيها قناتها كمجرى ملاحي مهم، والتأكيد على استقلال مصر، وتصديها لسياسات الدول المستعمرة في المنطقة.
شق القناة: نشأت فكرة شق قناة السويس في رأس “فيرديناند ديليسبس، الدبلوماسي الفرنسي البالغ من العمر 27 عاماً، بعد تعيينه في وظيفة نائب القنصل في الإسكندرية أولاً، ثم في العاصمة المصرية “القاهرة” 1832م، وظلت أحلام “ديليسبس” فيما يتعلق بإنشاء قناة عند السويس كامنة حتى عام 1854م، حيث تقدم “ديليسبس” إلى الإدارة المصرية بمشروعه وحصل على الامتياز الأول بين امتيازات عديدة من الإدارة المصرية بشق القناة.
وبدأت أعمال حفر قناة السويس في عام 1856م، بإشراف فرنسي، بالاستعانة بعمال مصريين، بلغ عددهم أكثر من مليون عامل وبطريقة السخرة، وسط ظروف صعبة، ما أدى لوفاة أكثر من 100 ألف عامل، وانتهت أعمال القناة في عام 1869م، وتم الاتفاق على منح الامتياز لـ 100 عام للشركات الفرنسية، وتم افتتاحها في عهد الخديوي إسماعيل في احتفال صاخب في السابع عشر من نوفمبر 1869م.
وقد فقدت مصر منذ البداية أي حق لها في الأرباح الهائلة للقناة. فالامتيازات الأصلية التي منحت لشركة القناة، أي “الشركة العالمية لقناة السويس البحرية” كانت تكفل لمصر 44% من أسهم الشركة، ونسبة من صافي الأرباح قدرها 15% كما تضمنت الموافقة على إمكانية شراء مصر لكل أسهم الشركة بعد مضي 99 عاماً من افتتاح القناة. أما بقية أسهم الشركة فكان معظمها من نصيب “ديليسبس” وبعض المؤسسات المالية الفرنسية ومواطنين فرنسيين. وبعد مرور ست سنوات على افتتاح القناة، اضطر الخديوي “إسماعيل”، نتيجة لأعباء تمويل حصة مصر في تكاليف إنشاء القناة فضلاً عن إسرافه المفرط، إلى بذل محاولات يائسة للحصول على المال، فقرر بيع حصته في أسهم القناة، فسارعت بريطانيا، التي وجدت فرصتها أخيراً لبسط نفوذها على الممر المائي الحيوي، إلى تلقف الأسهم مقابل أربعة ملايين جنيه إسترليني.
ولكن وضع الخديوي “إسماعيل” المالي لم يتحسن بل ازداد سوءً. فديونه ومعظمها للقوى الأوربية، كانت ضخمة. وفي العام التالي أصبح “إسماعيل” مفلساً تماماً ووجد نفسه مضطراً لمنح بريطانيا وفرنسا حق المراقبة الثنائية على اقتصاد بلاده مقابل ما تم تقديمه من مساعدات. خلال 1880، سُدت السبل أمام الخديوي “توفيق”، الذي خلف “إسماعيل” والذي خلت خزانته من أي موارد مالية، مما اضطره لبيع حقه في نسبة الـ 15% من صافي الأرباح لمجموعة فرنسية مقابل 22 مليون فرنك فرنسي.
وقد استثيرت المشاعر الوطنية داخل مصر من جراء تسليم الخديوي لحقوق مصر في أرباح القناة والتفريط في السيادة الاقتصادية، وكانت شركة القناة قد أصبحت بالفعل مصدراً لازدراء المصريين، الذين أسموها بحق “دولة داخل الدولة”، بسبب سيطرة الأجانب على نشاطها وأساليبها التعسفية في العمل في استقلال كامل عن الحكومة المصرية. وبلغ الاستياء ذروته في عام 1881م عندما قاد “أحمد عرابي”، الضابط بالجيش المصري، تمرداً ضد الخديوي، وهو ما أدى إلى وقوع حدث مفاجئ تماماً، وهو السيطرة البريطانية على مصر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.